الهوية تنظر إلى الماضي. وهي متجذّرة، في حالة حزب القوات اللبنانية وفي أدبياته وأدائه. هوية منبثقة من وعي سياسي يلتحف جبال لبنان العاصية على كل صنوف الاحتلالات، وساكنيها المغروسين في أثلام الأرض ومفاصل الصخور، وفضاءه المفتوح على الحرية كشرط أصلي. من هنا، يشكّل وجود المسيحيين تحديدًا البنية القاعدية للبنان، الوطن النهائي لجميع مواطنيه بمختلف طوائفهم ومذاهبهم. وهذا الوعي يعني أن وجود المسيحيين في لبنان ضرورة لمسلمي لبنان وبقائهم فيه وبقائه لهم ولغيرهم. وكما الأرزة وخطّها الأحمر، حزب القوات اللبنانية هو وعي الكيانية اللبنانية وهويتها وهواها.
لكن الهوية لا تنغلق على الماضي. فماذا كان لبنان قبل القرن السادس وبعده؟ قبل القرن التاسع عشر وبعده؟ قبل عام 1920 وبعده؟ قبل عام 1975 وصولاً إلى اتفاق الطائف وما تلاه؟ وما سيأتي من الأيام؟ استئناسًا بـ Ernest Renan، تكفي إرادة العيش معًا لرسم معالم إضافية فوق طبقات الهوية الغابرة. وتعبّر الجماعات، كما تعبّر الذات، عن هويتها بما يضمن الفرادة والتميّز والخصوصية، على حدّ زعم Marcel Gauchet. وجميعها مزايا دفعت لأجلها القوات اللبنانية أثمانًا باهظة، ولم تهادن ولم تساوم يومًا على وصيّة البطريرك نصرالله صفير الذي وضع قيمة الحريّة فوق كل الخيارات وجعلها تسمو فوق أي اعتبار.
سقط البعث العربي الإشتراكي بعدما تقلّد وحده كحزب، زمام قيادة المجتمع، في سوريا وعبر أذنابه في لبنان. وسقطت الوحدة بالحديد والنار والاحتلال تحت مسمّى التعاون والتنسيق والمسار والمصير. ولاقت حتفها أيضًا ذات "الرسالة الخالدة". ولم تكن أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. تمّ فقط تبديل اسم حزب البعث. حزبٌ بائس ورث حزب البعث البائد. ولم يقم أحدٌ بأي شيء عن راحة نفس الشعارات الفارغة، بل تمّ نبش قبور المجرمين...
وليس من قبيل المقارنة، بل على سبيل تظهير النموذج المقابل، حزب القوات اللبنانية هو الندّ والضدّ لكل نماذج البعث. ذهبوا جميعًا، وبقيت القوات... وقت الخطر قوات... وقت السلم قوات... لأن القوات وعي لبنان وروح شعبه.
أعتقد أن في هذا الاتجاه ما كان يقوله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، إذ ربط وجود القوات ربطًا بإرادة التحرُّر في أحد اللقاءات في معراب، وكرّر ذلك في أكثر من مناسبة وصيغة، بهذا المعنى وبمؤدّاه.
علاوة على كل ما سبق، يظهر حزب القوات اللبنانية بمشاركته العامة في الحياة السياسية بمظهر منظّم وفاعل ومؤثّر. شارك في الحكومات المتعاقبة عبر وجوه حزبية وغير حزبية، قدّمت نماذج تُحتذى في الشفافية والنزاهة والعمل الجاد. ففين حين كانت المحسوبيات والزبائنية تغلب على معظم الوزراء، كان وزراء القوات اللبنانية في التنمية الإدارية وفي العمل وفي الطاقة وفي الخارجية يطبّقون القوانين ولا يلتفون عليها، يرفضون الابتزاز، يواجهون المافيات وآليات الفساد... وينطقون باسم لبنان. ونواب الجمهورية القوية هم قوّة الجمهورية ما بقيت.
في مؤتمره العام، اختار الحزب عنوان: قوات نحو المستقبل. إن حزب القوات اللبنانية يستحقّ قيادة المجتمع في لبنان، والعبور به نحو المستقبل. خطابات الحكيم، سيما في الاحتفالين الأخيرين لذكرى شهداء المقاومة اللبنانية في معراب، كانت خطابات وطنية جامعة تصلح لتكون بمثابة عهود قسم تليق بلبنان. لم يخاطب زعيم سياسي شيعي أو زعيم ديني شيعي اللبنانيين الشيعة، كما خاطبهم الدكتور سمير جعجع. فكان خطاب الوعي السياسي والمسؤولية الوطنية وخطاب القائد الفذ. ولا ينقص القوات اللبنانية اليوم إلا الانفتاح أكثر فأكثر على كافة مكونات المجتمع اللبناني. فالهوية اللبنانية التعدّدية هي الجزء المكمّل للوعي السياسي المتجذّر لحزب القوات اللبنانية. وباعتقادي، لا تقوى الجمهورية إلا بانضمام نواب شيعة إلى كتلة الجمهورية القوية لحزب القوات اللبنانية، وتتمثل القوات بوزراء من الشيعة. وقد سبق للشيعة في لبنان أن كانوا مؤسسين في أحزاب وطنية، كحزب الكتلة الوطنية وحزب الوطنيين الأحرار...
بهذا، سيصبح المستقبل نحو القوات.