كأنني كنتُ، من حيث لا أدري، على موعد مع هذا الكتاب. "كتاب الغرفة" لعلّه ليس فحسب رحلةً جوّانيةً في المكان والزمان والأحداث والناس - - رحلةً مرامُها إعادة ترتيب العلاقة ، أو قُلْ إعادةُ اكتشافها، بين الأنا وذاتها وبينها وبين الأمكنة والأزمنة والأحداث والناس... هي لي بمثابة دقّات شرسات على بوابات الذاكرة، ذاكرة جيل أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي. ولأنني أنتمي إلى ذلك الجيل وذلك الزمان، رأيتُني تعتريني حماسةُ مَنْ كان ضيّع شيئاً ثميناً ثم، صُدْفَةً، وجده. في الكتاب من أصداء ذاكرتي ما لا أحسن عَدَّهُ أو ترتيبه. ولكنني رأيتُ ، في هذه العجالة، أن أوجز مطالعتي بنقاط ثلاث: بنيويّة النص، رمزية الماء ورمزية المرأة.
بنيويّة الرواية:
وأنا أخوّض في براري الرحلة الجوانيّة التي يسردها الكتاب، وأتنقّل بين حقولها وفصولها، ظلّ يتكوّن في خيالي رسمٌ هندسيٌ للحبكة الجوانيّة العميقة ، للبنية السردية المضمرَة ، والتي يلاحق بعضُ مقاطعها بعضاً، ويقاطع بعضُها بعضاً، لتعود وتتواءم، في خيال القارىء، في نظام كليّ تكامليّ غريب في فرادته. غريبٌ وفريدٌ هو لأنّ ميدانَه الحركةُ، جسديّةً، عقلانيةً ، وروحيةً... وأنّى للحركة أن تُحَاصَرَ، أن يُحَاطَ بها ، أو يُمْسَكَ بها؟
دوائر ثلاث ترتسم في خيالي لتشكّل رؤيتي التخيّلية للتقنية السردية التي يعتمدها، أو لعلّه يرتجلها ، الكتابُ وصاحبُ الكتاب. في وسط الورقة على مكتبي أرسمُ دائرةً صغرى تمثّل الأنا/ الذات بأقانيمها الثلاثة: الجسد، العقل، الروح. بهذه الدائرة تحيط دائرةٌ أفسحُ قطراً تمتدّ إلى محيطها من الدائرة الصغرى شعاعاتٌ تمثّل علاقة الأنا مرّة بالأمكنة ، ومرّة بالأزمنة، ومرّة بالأحداث، ومرّة بالناس ، ومرّة بالمرأة. الشعاعاتُ تواصل رحلتَها لتمسّ نقاطاً متفرّقة على محيط الدائرة الثالثة التي تحيط بالدائرتين الوسطى والصغرى. هذه النقاط هي إشارات إلى ما تنتجه العلاقاتُ بين الأنا من جهة والأزمنة والأمكنة والأحداث والناس والمرأة من جهة ثانية. أطلقتُ على محيط الدائرة الكبرى عبارةَ: اجتراحُ اللغةِ الشعرية - - فذلك ، في رأيي، كأنما هو الرسالةُ المضمرَةُ لسردية الرحلة الجوّانية في براري ذات الشاعر. أليس أهَّمَ ما في السردية هذه إصرارُ الشاعر - - حتى الصفحات الأخيرة من الكتاب - - على كينونته كشاعر يعيش، يختبر الحياة بكل تناقضاتها، لينمو ويتدفّق شاعريةً لا تنتهي، تماماً كما الينبوعُ الذي تظلّ السرديةُ تلحّ في ترداده ليصبح موتيفاً بالغَ الدلالة؟
رمزيّة الماء
رموز الماء تستحوذ على المساحة الفُضْلى من شعريّة السرد. الشعر، للسارد، هو "شعورُ الكلماتِ بامتلائها العاجز عن التفسير".عاجزٌ نعم ولكنْ له قوةُ الإيحاء التي هي من صميم الشعريّ. والشعريّ، للسارد ، يُفْضَى إليه " بكهربة اللغة وانصعاقها"، كما يحدث مثلاً "حينما ينسرب النثرُ الشعريّ في النثر العاديّ". ولعلّ الشعريّ يحقّق وجوده في نصّ الرواية عبر امتزاج دلالاتِ مفرداتٍ أربع هي المطر، والبحر، والينبوع، والغيمة. لترداد هذه الكلمات هيمنةٌ على اللغة، فدلالاتُها تتمازج لتؤلّف موتيفات تمنح النصَّ وحدةً أسلوبيةً تتناغم مع وحدة التيمات الفكرية والعاطفية.
" أنجبتْني أمّي في العاصفة تماماً وتحت المطر" ، يقول الشاعر / السارد، ليوقعه ذلك في "حبّ العاصفة الماطرة" ويضعه " في عهدة البحر الأزرق الماجن والرهيب". والبحر ، في الأدب العالمي، غنيٌّ بالدلالات. هو الهَّدَارُ الذي يوعِد بالخطر والمجازفة وحتى الموت ، كما يبرز ذلك في رواية " موبي ديك". وهو الهادىءُ الليّنُ الذي له دلالةٌ أنثويّةٌ يضمرها الفصلُ المعنون " السمفونية" في نفس الرواية. ثنائيّةُ التضادّ هذه تعتمدها كذلك البنيويّةُ الأسلوبية لمسرحية " العاصفة" لشكسبير. البحر هو مستودع أسرار الطبيعة بكلّ تناقضاتها. ولذلك يرى فيها الساردُ رمزاً لتناقضاته هو، كما يجنح إلى تصوّر غرفته على أنها البحر بعينه. ولأنّ" الماء هو السرّ وهو الأساس"، فالمطر يمثّل للشاعر " الشغف والنشوة والاتحاد". والينبوع، بدلالةِ التجدّد والتدفّق اللانهائي، يصبح مرادفاً لنظرة الشاعر لنفسه، متجدّداً بالتجربة متدفّقاً بالإبداعات الشعرية الناتجة عنها. والغيمة ترتبط بوعد الماء كما تكتسب لذاتها بُعْدَ الحركة والإنتقال المستمر والمتماهي مع حال الشاعر المتَنقّل من مكان إلى مكان ومن حالة وجدانية وفكرية إلى حالة أخرى ، بل إلى حالات لا متناهية. " بعد قليل ينهمر رذاذٌ خفيف، فأشعر بأني على وشك أن أصير غيمةً" هي الصورةُ الشعرية التي تعادل استعداد الشاعر إلى الإنتقال المكانيّ، إلى الأشرفية، حيث يحلم بتجارب جديدة ومتنوّعة تُثْري حياته كما تثري شعره. الرذاذُ والغيمةُ ترتبطان دلاليّاً بالينبوع، بتجدّد الحالات الشعرية وتدفّق شعرية اللغة التي هي في جوهر كيان الشاعر. وأخيراً يجب أن لا ننسى أنّ الخريف والشتاء يغدقان على النصّ دلالات المطر والحياة والتجدّد والاستمرار.
رمزية المرأة
وإذ تشكّل الطبيعةُ بشتى عناصرها وليمةً وجوديّةً وشعريّةً للسارد ، تشكّل المرأةُ له الوليمةَ الأشهى. والمرأة كالطبيعة، هي الميدانُ الآخر الذي تهشل فيه ذكرياتُ الشاعر، راحلةً في الزمن، تسترجع، لتعيد ترتيبَ محطّات التجربة ومفاصلها، فلعلّ الرحلةَ الجوانيّة تمكّنه من اكتشاف ذاته/ أناه، تلك المشلّعة بين الأمكنة والأزمنة والأحداث وطيوف المرأة. المرأة والطبيعة تحفّزان الفعلَ الدرامي في خيال الشاعر وسيكولوجيته، فهو في آنٍ معاً المنفعلُ والفاعلُ، يتلقّى ليحيل ما يتلقّاه إلى صياغات شعرية. ولحضور المرأة في حياته وظيفةٌ تصعيديةٌ "ترانسندنتل"، إذ في غمرة الشغف الجنسي" يتراءى له أنه "غيمة تتواءم مع غيمة". والتواءُمُ بين الغيمتيْن جسديّ وروحيّ في آن معاً حيث" الذكورةُ كلّها مغمورةٌ بأنوثتها"، ليجد الشاعرُ نفسه وقد استحال إلى "قصيدة". والمرأةُ صِنْوُ اللغة ،بهما ينفعل الشاعرُ، بهما يُمْتَحَنُ ، ليتّخذ لنفسه، بدوره، صفةَ العاشق لهما، المتأنّي، الساهر، المتحرّق، و" الخائف دائماً أن لا أكون أهلاً لها، وعلى قدر مقامها ورغباتها". الذكرياتُ مترعةٌ بصور المرأة في حالاتٍ لها شتى، حالاتٍ تهيمن عليها حالةُ العري/ التعرّي، حيث الجسد لا يلوذ بثياب ولا يستجير بشرشف أو عتمة، فهو وحده شمسُ العالم والمجمرةُ والمبخرةُ . ويتواءم تعرّي الخريف من أوراقه وتعرّي المرأة من ثيابها... من شتى التابوهات الإجتماعية والدينية. وليس ذلك بغريب: أليستِ المرأةُ جزءاً حميماً من الطبيعة؟ أليست لغةً من لغاتها، إن لم تكن أسمى وأرقى لغاتها؟ ومع كل هذه الإحتفالية بالمرأة، فإنّ الشخصيات النسائية تكاد لا تتجسّد في الرواية ككائنات لها كيانُها الذاتيّ، خصوصيّاتُها المستقلّةُ عن وعي الشاعر/ السارد. لَهُنَّ طغيانُ الحضور في حياته ولكنّ حيواتهنّ الأخرى يكتمها الغيابُ. بكلمة أخرى ، الشعريُّ ينتصر على الروائيّ في هذا الحيّز من نصّ الكتاب.
كَعَوْدٍ على بدء، أقول أنّ الرحلة الجوانيّة تبدأ لتنتهي إلى لحظة عبور. تنتهي ولا تنتهي. ولكنها تنجز وعدَها الذي يوحي به إلينا قولُ ابن عربي في كتاب الأسفار: " الأسفارُ قناطرُ وجسورٌ موضوعةٌ نعبر عليها إلى ذواتنا وأحوالنا المختصّة بنا".
استاذ جامعي ، روائي ومسرحي وشاعر وناقد