منذ عودة العماد ميشال عون من منفاه في باريس في 7 أيار 2005 ودخوله الحياة السياسيّة من جديد وهو يرفع راية محاربة الفساد والفاسدين ومواجهة الطبقة الحاكمة الفاسدة وعلى رأسها الرئيس نبيه بري، ويعتبر في مجالسه الخاصة، وفي اجتماعاته الحزبيّة أن الرئيس بري هو الفاسد الأكبر في الدولة اللبنانيّة، وأنه الحاكم الفعلي للبلاد، ولم يوقف العماد ميشال عون انتقاداته بعد توقيع وثيقة التفاهم مع "حزب الله" في 6 شباط 2006، لكنه حوّلها إلى الجماعة الفاسدة والسلطة المهترئة وليّن كلامه بعد حرب تموز مباشرة لكي لا يتوجّه إلى الطائفة الشيعيّة بخاصة بعد اعتصام وسط بيروت 2007. لقد بنى العماد ميشال عون جزءًا من شعبيّته بعد عودته من فرنسا على سرديّة محاربة الطبقة الفاسدة وعلى رأسها الرئيس بري رافعًا شعار التغيير والإصلاح، وكانت وتيرة التصعيد ترتفع بوجه الرئيس بري وتنخفض بحسب الأجواء السياسيّة والانتخابيّة في البلاد، وكانت قمّة هذه الهجمات على الرئيس بري عندما نعَتَ رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل في كانون الثاني 2018 الرئيس بري بـ "البلطجي" لكن من دون دراية أن العبارة ستخرج إلى العلن، ما استوجب اعتذارًا من الوزير باسيل لعدم شق صف 8 آذار. بالإضافة إلى ذلك ما يزال أنصار العماد ميشال عون يعتبرون أن الرئيس بري هو من فشل العهد الرئاسي للعماد ميشال عون بين 2016 و2022 وينكرون أي اتفاق سياسي مع حركة "أمل" أو مع كتلة "التنمية والتحرير" أو مع فريق 8 آذار. وعندما يُسأل المحازبون في "التيار الوطني الحر" والمؤيدون له عن طبيعة العلاقة بين الطرفين يجيبون: "إنه حليف الحليف فقط"، من دون أن يكون لديهم أي جرأة في الإفصاح عن التعاون السياسيّ والاستراتيجيّ بين الفريقين أو حتى الإعلان أنهما ينتميان إلى الفريق السياسي نفسه.
هنا نسأل المعنيين في "التيار الوطني الحر" والمتخصصين في العلوم السياسيّة هل عبارة حليف الحليف موجودة في العلوم السياسية، وهل يمكن أن يكون حليف الحليف خصمًا أو عدوًا؟ كما نسأل محازبي حركة "أمل" وأنصار الرئيس بري هل يقبلون بعبارة حليف الحليف أم يعتبرونها إهانة لهم كونها تنمّ عن خجل في العلاقة بين الحزبين بخاصة أمام الإعلام؟
لكن إذا نظرنا إلى المسار السياسي لـ "التيار الوطني الحر" وحركة "أمل" طوال 20 سنة نرى أنهما حليفان بكل ما للكلمة من معنى وبخاصة أنهما يتبعان خطًا سياسيًّا واحدًا هو 8 آذار وراعيًّا واحدًا لهذا الخط هو الجمهوريّة الإسلاميّة وقائدًا واحدًا هو السيد حسن نصر الله قبل استشهاده، ولتأكيد هذا التحالف السياسيّ والاستراتيجيّ ولتثبيته بطريقة علميّة نعود إلى التواريخ والأحداث التالية:
- تظاهرات 23 كانون الثاني 2007 التي شهدت إقفال طرقات وحرق دواليب، وإقفال المحال والمراكز التجاريّة والمدارس والجامعات في العاصمة وفي عدد من المناطق اللبنانيّة، وكان أنصار "التيار الوطني الحر" يتحركون بالتنسيق مع "حزب الله" وحركة "أمل"، وقد ظهر التنسيق بين أحزاب 8 آذار والتيار الوطني الحر ميدانيًّا بهدف السيطرة على الطرقات من جهة، وعلى مفاصل الدولة اللبنانيّة في المستقبل من جهة أخرى.
- عام 2008 تكوّنت معارضة قوية ضد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة تألّفت من "حزب الله" وحركة "أمل" و "التيار الوطني الحر" وتيار "المرده"، واعتصمت هذه الأحزاب في خيم متراصة في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، وشلّت معًا الحياة السياسيّة والاقتصاديّة في البلاد، وضربت وسط بيروت حيث أقفل عدد كبير من المحال والشركات والمؤسسات التجاريّة أبوابه، وكان شبان "التيار" يمضون أيامهم، نهارًا وليلًا، إلى جانب شباب "حزب الله" وحركة "أمل" يرفعون الشعارات نفسها ويمضون أوقات مسلية معًا، ما يؤكد التحالف بين الطرفين.
- يوم 12 كانون الثاني 2011 أعلنت المعارضة، المؤلفة من "حزب الله" وحركة "أمل" و "التيار الوطني الحر" وتيار "المرده"، استقالتها من حكومة الرئيس سعد الحريري من منزل العماد ميشال عون في الرابية حيث دخل الرئيس الحريري إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس باراك أوباما رئيسًا للوزراء وخرج منه رئيسًا مستقيلًا للوزراء، وكان وزراء حركة "أمل" يقفون في منزل العماد ميشال عون وإلى جانب الوزير جبران باسيل والوزراء العونيين بكل ثقة وبتضامن وثيق، ما يؤكد التحالف بين الفريقين.
- بين 2007 و2025 حصلت أربعة فراغات رئاسيّة، مجموعها أكثر من 5 سنوات، وكان نواب أحزاب 8 آذار ومعهم نواب "التيار الوطني الحر" ينسحبون سويًّا، جنبًا إلى جنب، من البرلمان في الدورات الثانية بتنسيق مسبق ومبرمج بين قيادة الأحزاب المنسحبة، ما يؤكد التحالف بين الفريقين.
- في أثناء التظاهرات الشعبيّة التي قامت بها أحزاب المعارضة في عهد العماد ميشال سليمان، كان العونيّون إلى جانب حركة "أمل" و "حزب الله"، كتفًا إلى كتف في معظم المناطق المختلطة.
- إن التحالف الانتخابي في دورات متتاليّة بين "التيار الوطني الحر" و "الثنائي الشيعي" وبخاصة قبل صدور قانون النسبية يؤكد التحالف السياسي بين "التيار الوطني" وحركة "أمل".
- إن تصريح الوزير جبران باسيل عند إعلان لائحة التيار الانتخابية عام 2022 أنهم سيتحالفون مع أحزاب لا يتفقون معها في السياسة، وبعد الانتخابات سينفصلون، والمقصود هنا حركة "أمل" التي دعمت "التيار الوطني الحر" بطلب من السيد حسن نصر الله، عندما قال للشارع الشيعي إن معركة الانتخابات النيابيّة عام 2022 هي معركة الحلفاء لدعمهم، وهذا ما جعل "الثنائي الشيعي" يؤمّن بين 5 و6 نواب لـ "التيار الوطني الحر".
- إن تشكيل الحكومات طوال 12 عامًا جاء بتوافق تام بين الثلاثي "الحزب والتيار والحركة" وكانوا يشكّلون قوة مشتركة في القضايا الاستراتيجية الداخلية والدولية، ويشكلّون فريقًا واحدًا عند طرح القضايا الحساسة والمصيريّة، بخاصة في المحافل الإقليميّة والدوليّة حيث كان وزراء الخارجيّة من "الحركة" و "التيار" ينتهجون السياسة الخارجيّة نفسها.
- إن التعيينات العسكريّة والإداريّة التي حصلت في عهد العماد ميشال عون تؤكّد المؤكد في المحاصصة والمحسوبيّات والتحالف الوثيق بين "حزب الله" وحركة "أمل" و "التيار الوطني الحر"، حيث بسط هذا التحالف سلطته على مفاصل الدولة اللبنانيّة، وتمكّن "الثنائي" من الوصول إلى قمّة قوته في عهد العماد ميشال عون.
- طوال العقدين الأخيرين كانت معظم الانتخابات النقابية والطالبية تتم بالتوافق والتحالف بين قوى 8 آذار والتيار الوطني ويُكتب أسماء المرشحين العونيين إلى جانب المرشحين الحركيين بتحالف وتضامن وتنسيق، ما يؤكد التضامن بين الفريقين.
- إن التقارب العوني – السوري زمن نظام الأسد بعد عودة العماد ميشال عون من المنفى حتم التحالف بين "التيار" و "الحركة" كون الرئيس نبيه بري كان رجل النظام السوري الأوّل في لبنان قبل الثورة السوريّة.
- سكوت "التيار الوطني الحر" طوال عهد الرئيس ميشال عون عن مخالفات حركة "أمل" في السلطة وعدم محاسبة أي فرد من الحركة وحلفائها، على الرغم من الوزارات الوازنة التي تولاها "التيار"، يؤكد التحالف بين الفريقين.
- على الرغم من أن نواب حركة "أمل" لم ينتخبوا العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة إلا أنه في العام 2018 صوّت نواب تكتل التغيير والإصلاح لصالح الرئيس نبيه بري في انتخاب رئاسة المجلس النيابي، وفي العام 2022 أمّن عدد من النواب العونيّين للرئيس بري النجاح بعد أن أعطى جزء منهم صوته له، وبالطبع بالتنسيق مع قيادة "التيار".
- إن تطابق المواقف في القضايا الإقليميّة من سوريا إلى فلسطين والعراق واليمن وإيران يؤكد التحالف الاستراتيجي بخاصة في سرديّة الاتجاه شرقًا على الرغم من الارتباط التاريخي للمسيحيين بالحضارة الغربيّة وثقافتها وتقاليدها.
- واليوم إن التوافق بين الحزبين في موضوع انتخاب المغتربين والدائرة السادسة عشرة على الرغم من عدم وجود آلية واضحة لانتخابهم، يؤكد المصلحة المشتركة في قانون الانتخابات بين الطرفين ولو جاءت على حساب مصلحة المغترب ودوره في نهضة البلاد.
صحيح أن التناغم بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري كان مفقودًا وما زال، وصحيح أن الرئيس نبيه بري عطّل بعض مشاريع العهد العوني وقوّضه بدعم من الحليف الرئيسي "حزب الله"، وصحيح أن كل طرف من الطرفين اتهم الآخر بالفساد والسرقة والمحاصصة، وصحيح أن الخطاب السياسي مختلف بين الفريقين، وصحيح أن "حزب الله" وحليفه الرئيس بري لا يريدان رئيسًا مسيحيًّا قويًّا ولا رئاسة مسيحيّة قوية ولا حتى جمهوريّة قويّة، لكن المعطيات الميدانيّة المذكورة تضع النقاط على الحروف وتؤكّد التحالف الاستراتيجي بين الحزبين، ما ثبّت الفاسدين في مراكزهم وأعطاهم غطاءً سياسيًّا من جهة، وحماية فعليّة عسكريّة من قبل "حزب الله" من جهة أخرى.