المحامي محمد آصف ناصر

فلول!؟!

7 دقائق للقراءة

في تشرين الأول من العام 1740 في نواحي بانياس، ولد للشيخ أحمد بن يوسف الجهني، طفل. اضطرت "الحوادث الفردية" الشيخ أحمد أن يهرب بطفله إلى نواحي حماة، هناك وصل إلى قرية لم يضيفه أهلها، ونام بعد أن أنهكه الجوع مستندًا إلى جدار فشاهد رؤية تأمره بمغادرة القرية فورًا وأن يتبع الضوء المتلألئ، استفاق من هوله وغادر القرية ليشاهد ضوءًا متلألئًا في البعيد، فيما هو يتبعه سمع صوت صواعق انهالت على القرية فدمرتها. بعد خمس ساعات من المسير وصل قرية الضوء المتلألئ "بيصين" التي احتفى به وبطفله أهلها، وهناك نشأ الطفل ليصير العلامة العلوي الجليل الشيخ سلمان بيصين (قد).

قرية بيصين، قرية فقيرة بسيطة كمعظم القرى العلوية عَبَرَ نمو "سوريا الحديثة" ولم يرها، لكن ما غفلت عنه أعين نظام البعث لم تغفله أعين نظام هيئة تحرير الشام، فوصل التنكيل والقتل إليها قبل أن تصل إليها يد الانماء، فذكرتني بمشهد التحقيق مع غوار في "كاسك يا وطن" عندما تحدث عن الكهرباء التي وصلت إلى رقعة في جسده قبل أن تصل إلى قريته.

بيصين استفاقت في 24/12/2025 على جريمة قتل الشقيقين حسين ومحسن السلوم وسرقة ماشيتهما على منوال ما حدث في قرى علوية متعددة كأم الطيور، الربيعة، بحرة، الحميري، دير الصليب، عقيربة، وتل أعفر، ما عكس تصاعد ظاهرة السلاح المتفلت واستهداف المدنيين في ريف حماة الغربي. سبق جريمة بيصين اعتداء على قرية صبورة قرب السلمية بتاريخ 20/12/2025 حيث دخلت مجموعات دون مبرر إلى القرية وراحت تطلق النار ما أسفر عن سقوط شهيدين وجرحى، في محاولات مستمرة لتهجير السكان العلويين. أتبعت جريمة صبورة بجريمة قتل سبعة شبان علويين استدرجوا من دمشق إلى حلب بعرض عمل وهمي ووجدت جثثهم على قارعة الطريق، ثم في 24/12/2025 اجتاحت قوات الجولاني (وليس لواء جولاني) قرية دوير بعبدة بحجج واهية وقامت بقتل المدنيين ومن بينهم العجوز المقعد "علي سلمان علي" الذي قتلته سلطات الأمر الواقع بالقنابل والرشاشات فيما هو مستلق على سريره. وبعده تم قتل الشابين "إبراهيم سجيع سليمان" (في السابعة عشرة من عمره) و"بشار مصلا" (في الواحد وعشرين من عمره) في طريقهما إلى العمل في ريف حمص، أتبع ما تقدم بتفجير إرهابي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب فارتقى 12 شهيد صلاة بينهم الطفل "يسار إسماعيل" الذي لم يتجاوز ربيعه التاسع، حاولت السلطات المؤقتة إلصاقه بــ"الفلول" ثم ألصِقَ بجماعة "أنصار السنة"، جماعة لم تغب رايتها عن همجية السلطات المؤقتة في مواجهة التظاهر السلمي الذي دعا إليه الشيخ غزال غزال ودعمته كافة القوى السياسية العلوية. هذا التظاهر تميَّز بوعي سياسي متقدم فهو لم يكتف بحرق صور بشار الأسد في دلالة على الانفصال الكلي عن فكر البعث بل أطلق شعارًا يتبرأ من تركيا وإيران ويرفض الاصطفاف الإقليمي، هذا الوعي السياسي المرتبط بالأرض والذي يطالب بدولة المواطنة عبر عنه العلويون بالمطالبة بنظام اتحادي يكفل حقهم بالحياة، فكوفح هذا المطلب بالقتل والتنكيل والاعتداء على دوار الزراعة في اللاذقية وإهانة الطفل حمزة تمام حسن. حمزة البالغ من العمر 12 عاما لم يهتز أمام من أهانوا دينه وأجابهم "على القليلة أنا بصلي" في إجابة تضمنت في دلالاتها الكثير الكثير مما لا يفقهه الهمج الرعاع.

بالرغم من الخيارات الواضحة، والخطاب السياسي المتقدم، لم تجد قناة تحسين خياط غضاضة في اتهام المتظاهرين بدعم الفلول، علها تغسل يساريتها ببعض الحقد الطائفي. فبالنسبة للطائفيين يمكنك أن تكون بشار الأسد وتعفى من الملاحقة إن سددت بعض الدراهم أما صفة الفلول فلصيقة بالعلوي الفقير الشريف الذي يدافع عن حقه بالمواطنة والحياة.

فيما وقف العلوي "الفلول" يواجه صلف الإسلام السياسي السوري المنتشي من عبق كولونيا ترمب، خرج علينا الشيخ نعيم يبشرنا بحزم (وربما عاصفة الحزم2) بأنه لن يلتزم قوانين الدولة اللبنانية ولا مواثيقها الدولية ولن يحترم دستور البلاد، الشيخ نعيم اختار أن يمارس بعض الخيمياء فقد أوعز لحزبه لأول مرة أن يستنكر جريمة استهدفت "الغلاة العلويين"، جريمة تمثلت بتفجير مسجد الامام علي، ولربما أبرق معزيًا إلى محيي الدين سلوم شيخ البعث سابقًا وشيخ تحرير الشام حاليًا. المضحك أن جماعة الإسلام السياسي أصحاب فتاوى التعفيش والــــGMC  YOUKON DENALI  اصبحوا المشايخ الشرفاء في زمن الجولاني، فهم تنعموا بنعم "حزب الله" و"هيئة تحرير الشام" في كلا الزمنين، طالما أنهم مستعدون لبيع ولاءهم، اما مشايخ مثل الشيخ الشهيد شعبان منصور (قد) وغزال غزال وعلي هلهل، فمن المغضوب عليهم بالرغم من أنهم أفتوا في زمن البعث بحرمة القتل العشوائي والتعفيش ونالهم ما نالهم من غضب "المواطنين بفستق" في تلك الحقبة، وإذا بهم يبوؤون بغضب الأمراء في حقبة القاعدة، فهم في كل زمن مُنَكَّل بهم فقط لأنهم يحملون أوجاع الشعب وينوؤون بها. أما سليمان معلا غانم ومحي الدين سلوم وأمثالهم ممن كانوا محظيين في زمن سطوة نفوذ إيران في سوريا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وكانت المفاجأة لي ولغيري ما قاله صحفي نجل ونحترم، عندما صرّح أن التقسيم آت وأن العلوي والشيعي ستضمهما دولة واحدة، يا صديقي المحترم لم يشهد التاريخ ولا الجغرافيا أن تجاورت قريتان شيعية وعلوية، فمحيطنا كان دائمًا سنيًا مسيحيًا مع صفر حدود مع الشيعة، ولم نجاورهم ولم يجاورونا، وما مراسلات الشيخ سلمان بيصين ومقارعته أئمتهم الحجة إلا دليلا على اختلاف فكري عقائدي معهم، فما يبعدنا عنهم أكثر مما يجمعنا، وإن كنا في زمن سؤدد الفكر القومي وزمن تزييف الوعي قد غضضنا النظر عن الخلافات الفكرية، فإننا في زمن انقشاع الحقيقة وتوزيع البقلاوة في غزة احتفالا بمذابحنا، لم يعد يعنينا أي اعتبار من اعتبارات الماضي، وإن كنت تظن يا صديقي أن شخصًا جل إنجازاته الأكاديمية شهادة "دار معلمين"، وجل رصيده الثقافي ثلاثة دواوين شعر رديء بالإضافة إلى ولائه للكراكيب وللحج، فجيء به ليرأس مؤسسة ما، يُعَبِّر عن تطلعاتنا وخطابنا  فيما هو يجدد العهد من على المنابر لأولياء نعمته فإن هذا الشخص لا يمثل أكثر مما يمثل محي الدين السلوم.

العلوي في هذا الشرق يمثله الطفلان "حمزة تمام حسن" و"يسار إسماعيل"، وكل ما يخرج عن هذا الخط وهذا المنهاج لا يعنينا، أما الفلول فهم لم يبارحوا مكاتبهم في دمشق، وهم هناك يتابعون التنكيل بالعلويين ومصادرة أحلامهم.

وفيما يتعهّد الشيخ نعيم قاسم متابعة إبقاء لبنان على فالق عدم الاستقرار الإقليمي، قرر نتنياهو الاعتراف باستقلال صوماليلاند، قد يعبر هذا الخبر عرضيا وفيما تبدل نار الأرجيلة وتقلب محطات التلفزة أو فيما توبخ شريكك في لعبة الورق، ولكن يا سادة يا كرام، صوماليلاند تمسك ضفة من ضفتي مضيق باب المندب، وفي هذا السياق كان لعمليات القرصنة أثر كبير في عدم استقرار الملاحة البحرية في البحر الأحمر ونفوذ غير مألوف لإيران على تلك المياه، ففي حادثة غريبة، تمت مرة قرصنة سفينة لشركة أرشيرودون اليونانية وصلت إلى إيران وتولى يومها تاجر بحري أصبح لاحقًا نائبًا في البرلمان اللبناني عن السياديين، أن يتوسط لدى الإيرانيين ويحرر السفينة تأسيسًا على علاقاته الحميمة والدافئة مع ملالي إيران. هذا النائب لا يتورع عن وعظنا صباحًا ومساء بالسيادة والاستقلال والتبرؤ من محور الممانعة فيما سفنه تجني "المال النظيف" من تلك المياه. هذا هو المستقبل، مستقبل بحار وطاقة بعيدة عن العقائد، تتناتشها وصولية النائب أو نفعية غيره، لكن في الحالتين لا مكان للرومانسية النضالية على هذه الخريطة، هنا عليك أن تكون تاجرًا تبيع وتشتري كل شيء، لكن عند دماء يسار وأرغفة خبز حمزة تتبرعم آمالنا بغد يضمن حقنا بالحياة الكريمة بعيدا عن القهر والتنكيل، حياة يكون فيها سلطان القانون الفيصل والمعيار لا الأموال الحرام.