في لبنان، لا تقع الفضائح لأننا نغرق في الفساد فحسب، بل لأن الفراغ حين يطول يتحوّل إلى سلطة بديلة، ويُغري المزيّفين بأن يضعوا أقنعة «الوسطاء» و«أصحاب الإشارات». هكذا وُلدت حكاية «أبو عمر»، رجل بلا صفة، بلا دولة، بلا تفويض… لكنه وجد في المشهد اللبناني ما يكفي من الفوضى كي يبيع «هيبة» مصنوعة، ويبتزّ عقولاً تُدير السياسة تحت ضغط الانهيار.
الخطير في هذه القضية ليس أن مُحتالاً نجح في خداع البعض؛ فهذا يحدث في كل المجتمعات. الخطير هو السردية التي بدأت تُصاغ بعد انكشاف الخديعة: سردية تحاول تحويل استماع بعض السياسيين للشيخ خلدون عريمط إلى تهمة، وفتح الباب إلى جرم، واعتبار حسن النيّة دليلاً على التواطؤ. كأن المطلوب من السياسي في لبنان أن يعمل بعين مغمضة وأذن صمّاء، في بلد بُنيت فيه المعادلات تاريخياً على الإشارات الخارجية، وعلى قنوات رمادية أكثر مما بُنيت على المؤسسات، وهذا ما استفاد منه الشيخ عريمط وأبو عمر.
فلنقلها بوضوح: في النظام اللبناني، «سياسة الباب المفتوح» ليست ترفاً ولا سذاجة؛ إنها ضرورة عمل. السياسي الذي يُقفل أبوابه في لحظة انهيار وارتباك إقليمي، يُخلي الساحة طوعاً لمن يملك المعلومات والقدرة على الفرض والقرار. لذلك، اللقاء لا يعني صفقة، والاستماع لا يعني شراء، والمصافحة لا تعني عقداً سرياً. هذه بديهيات يجب أن تُحمى، لأن ضربها يعني دفع السياسة إلى مزيد من الانغلاق والشكّ والعزلة، أي إلى مزيد من الانهيار.
ومن هذا المنطلق، فإن جوهر القضية يجب أن يبقى في مكانه الصحيح: الاحتيال لا «الفساد المفترض». المجرم هو من صنع الوهم، واستثمر في الارتباك، واستغلّ رموز الثقة. والمفارقة الأقسى أنّ الوهم لم يُسوَّق بوسائل تقنية خارقة، بل عبر أبسط ما في الشرق: الرمزية الاجتماعية، لهجة تُحاكي الخليج، وأحاديث عن «رضى والسخط»، وأبواب تُفتح بأسماء كبيرة… بغطاء من عمامة الشيخ عريمط، الذي يُفترض أن يكون عنوان أمانة لا وسيلة للابتزاز والاحتيال.
لهذا، فإن خلط الأوراق بين الضحايا والفاعلين ليس فقط ظلماً، بل انحراف في بوصلة العدالة. العدالة لا تُدار بالشماتة، ولا بالتصنيف الجماعي، ولا بتبادل الاتهامات على الشاشات. العدالة تُدار بالتمييز بين النيّة والفعل، بين القناة والوعد، بين العمل العام والاحتيال.
وفي خضم هذا الضجيج، برز مثال يُستَعمل كثيراً في بازار الاتهامات: فؤاد مخزومي. الرجل الذي يُعرَف عنه حضور سياسي وازن ومهم، ومبادرات اجتماعية وصحية متواصلة، وجد نفسه هدفاً مثالياً لحملة تختصر كل شيء بجملة واحدة: «دفع أموال». لكن الوقائع التي خرجت إلى العلن من الجهات المعنية جاءت لتقول إن توصيف «الدفع» على هذا النحو مغلوط، وإن ما جرى، حيث جرى، يندرج في إطار مساعدة إنسانية/طبية منظّمة ضمن آليات مُعلنة، لا في إطار شراء نفوذ أو دفع مقابل خدمات. وهذا فرقٌ جوهري، لأن تشويه العمل الخيري المؤسساتي عبر ربطه تلقائياً بالرشوة، يعني نسف آخر ما تبقّى من ثقافة الدعم الاجتماعي في بلد يتساقط فيه الناس بلا شبكة أمان.
المسألة إذاً ليست دفاعاً عن شخص بقدر ما هي دفاع عن مبدأ: أن يبقى الباب المفتوح باباً سياسياً لا فخّاً قضائياً، وأن تبقى النيّة معياراً في الحكم لا ذريعة لضرب سمعة الناس. وأن لا يتحوّل كل تبرّع أو مساهمة أو دعم صحي إلى «دليل إدانة»، لأن بلداً عاجزاً قرّر أن يُعوّض فشله بتدمير من يحاولون ملء بعض الفراغات.
نعم، القضية تكشف هشاشة النظام وتعرّي قابليته للاختراق. لكنها تكشف أيضاً شيئاً أخطر: قابلية الرأي العام لأن يُقاد نحو استنتاجات جاهزة، حيث السياسي متهم سلفاً، والحقائق تفصيل ثانوي. وهذه هي بيئة الاحتيال المثالية: بيئة تُدين الضحية بسرعة، فتمنح المجرم وقتاً أطول.
الخلاصة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: أبو عمر والشيخ عريمط ليسا قصة طبقة سياسية اشترت، بل قصة فراغ سمح لمنتحل صفة أن يلعب دور الدولة. والمطلوب الآن ليس توزيع التهم على الجميع، بل تثبيت معيار واحد: التحقق بدل الهستيريا، والقانون بدل التسريبات، والإنصاف بدل التشهير.
في بلدٍ يتغذّى على الشك، حماية سمعة آخر من لا يزالون يؤمنون بالبلد وحُسن نيّتهم ليست رومانسية ولا سذاجة؛ إنها ضرورة. لأننا إن جرّمنا هؤلاء، فلن يبقى في السياسة إلا المحتالون.