مايا الخوري

لغتهم البديلة حين تصمت الكلمات

رسومات الأطفال أداة للتحليل والعلاج

6 دقائق للقراءة

الرسم لغة بديلة عندما يعجز اللسان عن الكلام، من خلاله نقترب من العالم الداخلي بمخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية لذلك يشكّل أسوة بالفنون كافة وسيلة ممتعة يعبّر الطفل من خلالها ونافذة تأخذنا إلى عالمه الخفيّ. 

حين يستمتع الطفل بالرسم ويتفاعل مع الورقة البيضاء نقرأ بشكل غير مباشر ومن دون ضغوط ما لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات، لذلك يمكن استخدام لوحاته وسيلة لتحليل مشاعره وأفكاره والاضطرابات التي يمكن أن يختبرها من ضمن السياق العلاجي النفسي الشامل. إذًا يشكّل الرسم جزءًا من منظومة العلاج النفسي وأداة إسقاطية مهمّة جدًا مع الطفل، وفق ما تتحدث الدكتورة دلال الحلبي (معالجة بالفن ومحللة نفسية) "حيث يُنظر من خلاله إلى ثلاثة مستويات مترابطة: أوّلًا، المنتج النهائي أي مضمون الرسم وأسلوبه في إطار الألوان والخطوط والأشكال. ثانيًا، عملية التنفيذ أي ما يرافقه من سلوكيات كالصمت والتردّد والاندفاع وسرد قصّة. ثالثًا، الإصغاء بعناية لسرد الطفل، أي مراقبة كيفية تعامله مع الرسم والمشاعر التي يعبّر عنها، فهذا الحوار التفاعلي هو مصدر المعلومات الأغنى".

وتشبّه الورقة البيضاء بعالم الطفل الداخلي لذلك "يمكننا من خلال تفاعله مع الرسم استكشاف نظرته إلى نفسه ومحيطه وموقعه في حياته وحجمه الذاتي. ولكن لتحقيق ذلك يعتمد المختصون على أطر تفسيرية ودلالات لا تُؤخذ كحقائق مُطلقة بل كإشارات. إذ على رغم أن الرسم محفز للحوار ونافذة إلى عالم الطفل الداخلي إلا أنه ليس أداة تشخيصية قاطعة بل وسيلة تُغني الفهم السريري وتدعم بناء العلاقة العلاجية".

وعن ماهية الرسوم المستخدمة في العلاج النفسي، تصنف الحلبي المهام الفنية المطلوبة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الرسم الحر أي منح الطفل الحرية الكاملة في اختيار الموضوع. الرسم الموجّه نحو موضوع محدد كرسم العائلة، الطبيعة، المنزل، شخص ما. وعرض رسوم أو لوحات جاهزة ليؤلف الطفل قصة حولها. وتبرز في هذا الإطار أدوات مهمة مثل اختبار "خروف القدم السوداء" (Patte noire ) الذي يرتكز على عرض سلسلة من الصور الغامضة والمثيرة للقلق بعض الشيء، لتحفيزه على سرد قصص تكشف صراعاته الداخلية ومخاوفه من دون تهديد مباشر. مشيرة إلى أن اختيار نوع المهمة الفنيّة هو قرار علاجي بحدّ ذاته يحمل دلالة معيّنة كما أن ردّ فعل الطفل تجاه الطلب لا يقلّ أهمية عن المحتوى النهائي.

وعن خطوة ما بعد الرسم تقول: "عند انتهاء المهمّة تنطلق مرحلة التفاعل المهمّة جدًّا إذ تهدف إلى تحويل المنتج البصري إلى حوار. أي يُطلب من الطفل سرد قصة حول رسومه أو ما يراه لتحفيز تداعياته الحرة. أو نتحاور معًا باستخدام أسئلة موجهة بطريقة غير مباشرة تتناول تفاصيل الرسم، وتوفر هذه الطريقة شعورًا أكبر بالأمان ما يسهّل عملية الإسقاط والتعبير عمّا بداخله".

من جهة أخرى يرتكز التحليل وفق الحلبي على ثلاثة مستويات متكاملة لا ينفصل أحدها عن الآخر: "أوّلاً خصائص الرسم الشكليّة والتقنية: تشمل حجمه الذي يمكن أن يعكس الشعور بالهوان أو التضخم أو الواقعية. موقعه في الورقة الذي يعكس الثقة أو الانطواء أو الشعور بالتهميش. خطوطه التي يمكن أن تدل على القلق أو الغضب أو التردد أو الحزم. الضغط على الورقة الذي قد يعكس التوتر الشديد أو الطاقة العدوانية، في مقابل الخجل أو الاكتئاب. تكرار عنصر معيّن في الرسم أو حذفه. العلاقات بين العناصر كالمسافة بين أفراد العائلة، حجمهم النسبي، وجود حواجز بينهم. إضافة إلى تناسق الألوان أو غرابتها أو اقتصارها على لون واحد، ومدى ملاءمتها للواقع. ثانيًا، سلوكيات الطفل أثناء الرسم وبعده: أي كيفية تعامله مع الورقة كالطيّ أو التمزيق. وردّ فعله على الطلب كالتردّد والحماس والرفض. ومستوى التركيب أي منظم جدًا أو فوضوي. ثالثًا، السياق العام والاستثناءات: أي مقارنة رسوم الطفل الحرة بتلك الموجهة ومراقبة ما يخفيه أو يتجنب رسمه".

وعن الحالات العلاجية التي تستوجب استخدام هذه التقنية تقول: "يُعد العلاج بالفن تقنية شاملة يمكن استخدامها مع نطاق واسع من الأطفال، لأنه يعمل على أربعة أبعاد علاجية متكاملة هي البعد النمائي، أي تنمية المهارات الحركية الدقيقة والتنسيق بين العين واليد، البعد المعرفي أي تحسين التركيز والتسلسل وحل المشكلات المرئية. البعد العاطفي أو السلوكي أي إدارة الغضب والقلق وتنظيم المشاعر. البعد التباعدي والتواصلي أي تقدير الذات والتعبير عنها عندما تعجز الكلمات. انطلاقًا من ذلك تُستخدم هذه التقنية في حالة الصدمات النفسية والقلق لأن الرسم يوفر مسافة آمنة وغير مباشرة للتعبير عن ذكريات أو مشاعر مؤلمة يصعب ترجمتها بالكلام. وفي حالة اضطرابات التعلّق والسلوك حيث يساعد في فهم أنماط العلاقة الداخلية وتوفير منفذ تعبيري بديل عن السلوكيات الصعبة. وكذلك في صعوبة التعبير اللفظي سواءً كان بسبب الخجل، الاكتئاب، أو اضطرابات النمو مثل اضطراب طيف التوحد، فيشكّل الرسم جسرًا حيويًا للتواصل. وأيضًا في حالة صعوبات التعلّم وذوي الاحتياجات الخاصة حيث يُشكّل وسيلة محورية للمتابعة العلاجية، ويقدّم مساحة آمنة للتعبير والعمل العلاجي المتدرّج، بعيدًا من ضغوط الأداء الأكاديمي المباشر. وفي العلاج التحليلي والديناميكي، حيث يُعدّ أداة إسقاطية أساسية لفهم العالم الداخلي واللاوعي عند الطفل. وأخيرًا في حالة العلاج بالفن بحد ذاته حيث يكون الإبداع والفن هما الوسيط والآلية العلاجية الأساسية".



ريشة التداوي

لا يُعتبر الرسم مجرد أداة تشخيصية لا بل لغة علاجية متكاملة، تُلائم قدرات الطفل وتلبي احتياجاته على مستويات متعددة. كما يخفف الرسم حدّة القلق، ويمنح الشخص مساحة آمنة للإسقاط، فيشعر أنه مسموع ومفهوم من دون مواجهة مباشرة، مما يسهّل بناء العلاقة العلاجية. وتبقى هذه التقنية فاعلة جدًا عند استخدامها بشكل مهني ومن ضمن إطار علاجي متكامل عند كل الفئات العمرية، كونها أداة قوية تُعمّق الفهم وتُسهّل العمل العلاجي. أمّا الألوان وفق الحلبي، فلها دلالات نفسية مهمّة إنما لا تُفسّر بشكل نمطي أسوة بالرسم، بل تؤخذ بالاعتبار تفضيلات الشخص، سياقه الثقافي، وتكرار استخدامه لونًا معيّنًا لا لاختياره اللون بحد ذاته.