شربل داغر

هل تشيخ الكتب وتموت؟

دقيقتان للقراءة

طبعاً. بدليل انني قد اجد كتباً في مكتبة عمومية لم يلتفت إليها قراء قبلي للاطلاع عليها، بعد سنوات وسنوات من صدورها. وأكون، في ذلك، أشبه بالقارئ الأول لها، أي أن الكتاب وصل من المؤلف الى القارئ الأول بعد سنوات.

قد تشيخ بالطبع، إذ تجد الرمل، لا الغبار وحده، يتساقط على رأسي ورأس البائع في مكتبة قرب الأزهر...

تشيخ مؤكداً، بل يستعد ناشرها الى دفنها، بدليل ان ناشراً لبنانياً مرموقاً وضع متبقيات الكتب غير المباعة فوق عربة (مثل العربات الخشبية لبيع الخضار المتنقلة في شوارع المدينة)، في معرض سابق للكتاب، بأسعار مخفضة كما في نهاية "التنزيلات" في السوق التجاري.

أجل، يستعد الناشر لإسقاطها، بدليل انه يعرض على كاتبها الحصول على النسخ المتبقية -لو شاء- قبل تلفها.

لكن كتباً قد تموت إثر ولادتها، إذ لا يُقبل عليها قارئ، لا شراء ولا قراءة.

قد تنقضي في خيالات أو توهمات صاحبها من دون أن تحط فوق ورق؛ وقد تكون مسجّاة فوق أوراق المطابع.

تموت، لأنها تبقى وحيدة، من دون شريك، في عتمة الكلام الذي لا يشرق في عيون القراءة.

تموت من دون أن يهتم بها أحد.

للكتب أكثر من ميتة، حتى إن ناشرة في بيروت أعلمتني عن كتاب (كنتُ أطلبُ شراءه)، أنني كنت الشاري... الثاني له بعد ما يزيد على عدة أشهر من صدوره.

ولكن هل تشيخ الكتب فعلاً، وهناك من "يكتشف" كتاباً مهملاً، منسياً، مثل لقيط مهمل في شارع معتم؟

هل تموت الكتب، وهي -أي بعضها- لا تلبث أن تستفيق كما في قيامة عجائبية، أو إثر غيبوبة أو نوم مديد.

تستفيق، ويُعاد النظر فيها كما لو أنها خرجت للتو في يوم عرسها المنتظر.

لا تنقضي الكتب، إذ تعني انقضاءَ التكلم والتحاور في جماعة، كأن يَخرج الناس من بيوتهم، ولا يتبادلون أي كلمة.

للكتب حيواتها الخاصة، إذا أمكن القول، لكنها لا تَظهر من تلقاء نفسها إلا مع شريكها: القارئ.