مثل كثيرين غيره خرج نعيم عون من "التيار الوطني الحر". هو ابن شقيق الجنرال ميشال عون وأحد أبرز أركان التيار الذين ساهموا في صناعة صموده وصعوده، ولكنه لم يتوقع أن تنتهي تجربته بخيبة سياسية. شعر بالغربة عن الماضي الذي كان وعن الواقع الذي تكوّن. لديه تجربة غنية في محطات كثيرة. من حياة العائلة الكبرى في حارة حريك، إلى الحرب والتهجير والقدر الذي قاد عمّه ميشال عون إلى قيادة الجيش ثم إلى رئاسة الحكومة العسكرية، وإلى هزيمة 13 تشرين، ثم المنفى الباريسي والعودة والتفاهم مع "حزب الله" عام 2006، والاتفاق مع سمير جعجع عام 2016، قبل عودته رئيسًا إلى القصر الجمهوري. نعيم عون اليوم يفتح خزان ذاكرته ويلبّي "نداء السنين" في "نداء الوطن" لعلّ في الرواية تأسيسًا لبداية لا مجرّد وقوف على الأطلال.
= ألا يزال قلبك مع التيّار وهل لا يزال التيّار في قلبك؟
\ بالأفكار والقيم نعم. القيم التي ناضلت من أجلها. يجب أن تميِّز بين الفكرة والقيم والمبادئ وبين السلوك السياسي.
= لم يتغيّر نعيم عون بل التيّار تغيّر؟
\ أكيد حصلت أخطاء. آلية اتخاذ القرارات صعبة ومعقدة عندما تكون نابعة من خلفيات معيّنة توصلك إلى نتائج معيّنة، ولكن إذا وضعتها في ظروف أخرى تأخذك إلى نتائج أخرى.
= كيف تتذكّر بدايات عائلتكم في حارة حريك؟
\ في العائلة الكبرى عشنا كأننا قبيلة. مثل كل العائلات اللبنانية نضبّ على بعضنا ونحمي بعضنا. عشنا في بيت واحد. أتذكّر في 13 نيسان 1975 كيف تهجّر أبناء حارة حريك وكيف أن الطريق كانت طويلة بين الحارة والحدث.
=كيف أخذتم قرار الانتقال من حارة حريك؟
\ حارة حريك دفعت ثمنًا كبيرًا وكنا من أوّل المهجَّرين بسبب وجود مخيّم برج البراجنة على حدودها وكانت هناك مشاكل منذ عام 1973. أتذكّر عام 1972 قال العماد عون لوالدي "جايين على أزمات والوضع مش منيح وواصلين على أيام صعبة فتش عن بيت آخر يأوينا" وحدّد له المنطقة. ذهب والدي وبحث واستأجر منزلًا سنة 1972. هذا البيت في جلّ الديب لجأ إليه 40 شخصًا عام 1975 وبقينا فيه. ولمّا عمل الجنرال قائد جيش عام 1984 كان لا يزال عندنا في البيت. هذا الأمر يدلّ على رؤية ميشال عون وقراراته السياسية. في 13 نيسان 1975 كنت لا أزال صغيرًا. أعرف أن هناك شيئًا حصل. حملونا وطلعنا بالسيارة أنا وبيي وأخوتي وأمي ومشينا من حارة حريك إلى سقي الحدث. كانت مسافة قصيرة قطعنا فيها على 5 أو 6 حواجز فلسطينية مسلحة. بقينا أسبوعين عند عمّتي في الجمهور وأتت أيضًا عمّتي الثانية من الشياح لأنّهم تهجّروا أيضًا. بعد أسبوعين ذهبنا إلى جلّ الديب في الليل لأنّه كان لا يزال مخيم تل الزعتر والطرقات مقطوعة. هذه الصور لا تزال منطبعة في ذاكرتي.
= كيف كانت علاقتكم كعائلة بالسياسة في مرحلة ما قبل الحرب؟
\ والدي كان ناشطًا سياسيًا في حزب "الكتلة الوطنية". كان مسيّسًا. الجنرال كان ضابطًا في الجيش لا يمكنه أن يتعاطى بالسياسة بشكل مباشر ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن عنده رأي سياسي، وفي الأحداث لعب دورًا أساسيًا في عدة محطات. البيت كان مسيّسًا ولكن ليس بالنضوج الذي نحن عليه اليوم.
= دخول ميشال عون إلى الجيش كضابط غيّر في حياة العائلة؟
\ لا أعرف. لم أكن ولدت بعد. ولم أكن قد وعيت على الأحداث. أكيد أن دوره في الجيش وترقيته قبل قيادة الجيش والأدوار التي لعبها من 1975 حتى 1984 غيّرت كثيرًا في موضوع العائلة والدور السياسي.
= هل لا يزال هناك ما يربطكم بحارة حريك؟
\ حارة حريك كانت ضيعة كأنها افتراضية. الحياة التي كانت تطبع أهلها كعائلات مسيحية وإسلامية نقلوها معهم وكنا منهم. لم يكونوا واعين كلّهم لما يحصل في البلد بالمعنى الكبير وكانوا يتأمّلون أن تحلّ المشكلة كلّ يوم. عشنا في هذه الضيعة التي لا يزال ارتباطنا بها ارتباط ذاكرة جماعية كأهل. أنا أعرف من هم من جيل والدي أكثر مما أعرف أولادهم. فرّقتنا الحرب وكل واحد تهجّر إلى مكان وكنا نقابل الكبار الذين كانوا يقابلون أهلنا. لاحقًا تعرّفنا إلى الجيل الجديد ولكن بقيت هذه الصورة الحلوة عن حارة حريك التي تمثل رمزية المأساة اللبنانية بكل أبعادها.
= أول دور عسكري انخرط فيه العماد ميشال عون كان في معركة تلّ الزعتر؟
\ أعطي تجربتي كولد كان يراقب. كنت أكتفي بالمراقبة في تلك المرحلة. كنا نعيش في بيت جلّ الديب كلّنا. في أحد الأيام أخذونا كلّنا، الصغار والكبار، لعند الجيران. بقينا عدة ساعات. علمت لاحقًا أن الجبهة اللبنانية، بشير الجميل وداني شمعون، عملوا خطة تلّ الزعتر عندنا في البيت. لا أعرف التفاصيل ولكن كان الجنرال منخرطًا منذ 1975 بكل الوضع، وكان من موقعه يرى كيف أن الدولة تنهار أمام الفلسطينيين. كان عنده واجب وطني. سحبوه بالقوة من صيدا كان يريد أن يعمل معركة هناك.
= حوّلوه إلى المحاكمة؟
\ لا أذكر. ولكن أحكي عن مناقبيته التي كانت تجعله يرفض بعض الأمور. كان بعيدًا من بيروت منذ تخرّج من المدرسة الحربية. اصطدم بالمكتب الثاني. دافع عن القوميين في الستينات بسبب الاضطهاد الذي تعرّضوا له مع أنه غير قومي. دافع عن إيلي حبيقة حتى لا تحصل مجزرة. منع مجزرة في برج البراجنة وقت مجزرة صبرا وشاتيلا. حتى في أيام الحرب كان ضدّ عمليات القتل. يقاتل بشراسة ولكن لم يرتكب جرائم.
= توقعتم أن يصير قائدًا للجيش؟ ماذا غيّر وصوله إلى هذا الموقع في حياة العائلة؟
\ بعدما وصل إلى قيادة الجيش لم تتغيّر طبيعة حياتنا. ولكن لا أنفي أن الأدوار التي لعبها في السياسة عملت نضوجًا سياسيًا عندنا في العائلة.
= عندما عُيِّن رئيسًا للحكومة اقتربتم منه أكثر؟ شعرتم أن المسؤولية عليه كبرت؟
\ شاءت الظروف أنه عاش عندنا في البيت. وهو وصل إلى بعبدا في ظلّ أزمة سياسية. يوم صار رئيسًا للحكومة كنتُ في وزارة الدفاع. عاد من بعبدا وكان هناك نحو 20 ضابطًا معه في المكتب وكانوا مبسوطين وبدّهم يفتحوا شمبانيا. قال لهم: "ما تنبسطوا كتير سلّمونا كرة نار وجايين على أيام صعبة". من أول نهار لم يكن مغشوشًا بالوضع أو مستخفًا به، بمعنى أنه وصل إلى السلطة. أصلًا في الفترة الأولى لم يعش في القصر. الأزمة ولّدت الحكومة. الأعضاء المسلمون بعدما كانوا تكلّموا معه على الهاتف سمعوا استقالتهم في الإعلام. هذا الأمر فُرِض عليهم. كلّ هذا الوضع لم يكن مريحًا.
= تعتقد أنه تمسّك بالسلطة بينما كان عليه أن يؤمّن انتخاب رئيس؟ أم أن هذه العملية بحد ذاتها كانت مستحيلة؟ وكان مفروضًا على ميشال عون أن يبقى في قصر بعبدا؟
\ لنعد قليلا إلى الوراء. لماذا لم يُنتخب رئيس على عهد أمين الجميل. كمّلت مع ميشال عون. القصة كانت تتعلّق بموازين القوى الدولية والإقليمية والتضارب بين ما يريده السوريون وما يريده اللبنانيون لا سيَّما الصفّ المسيحي. حتى الشق المسلم، هناك مسلمون كثيرون دفعوا ثمن معارضتهم للسوريين وتمّت تصفيتهم. بدءًا بكمال جنبلاط. عندما تعارضت مواقفه مع السوريين روّحوه. لا يمكن تحميل كل هذه الأزمة إلى شخص بينما هي أزمة طويلة عريضة.
= هل كان يجب أن يتصرّف بطريقة أخرى؟ هل كان عليه أن يعلن حرب التحرير؟
\ قبل حرب التحرير، استلم في 23 أيلول 1988. وانقسمت الحكومة. كانت اللعبة أكبر منهم. حرب التحرير بدأت في 14 آذار 1989 قبلها تشكّلت اللجنة السداسية واجتمعوا في تونس وتقرير اللجنة لاحقًا أعطى الحق للبنان في المطلق وللجنرال عون في شكل خاص على أساس أن الأزمة سورية. في الكلام الشائع أنه أعلن حرب التحرير. من سنة 1975 في كل مرّة كانوا يريدون تركيعنا، كلبنانيين يفتشون عن سيادة البلد، كنا ناكل قتلة من تهجير الدامور إلى حرب زحلة وكلّ هذه المحطات كانت بهدف إخضاع المسيحيين. ميشال عون لا يمشي معه أسلوب الابتزاز. في الوقائع 14 آذار بدأت في 11 آذار. كنت أجري فحص رياضة للدخول إلى المدرسة الحربية وطلعت من الفياضية إلى وزارة الدفاع وكنت أرتدي ثياب الرياضة وقال لي "عندي معلومات في شي بدّو يصير الليلة بالليل روحوا تضبضبوا". بالفعل بلّشت القصة في 11 آذار. حصلت مواجهة بقيت حتى ليل الأحد 12 آذار ورجع تدخل السوري.
= حصل قصف على المرافئ.
\ أحكي عن العمل العسكري. هو أعطى معنى للحرب.
= هل كان إعلان حرب بهذا الحجم أكبر من قدرات ميشال عون والجيش اللبناني؟ هل كان لديه سوء تقدير لنتائج هذه الحرب؟
\ الجنرال أعطى عنواًنا لهذه الحرب. مش هو عملها. افترض لم يسمّها "حرب التحرير" كنت رح تضلّك تاكل قتل حتى يوصلوا لمطرح ما بدّهم. بالـ 76 صار هيك وبالـ 78 صار هيك. نفس النمط كان مكمِّلًا. تقول لي إنه قرّر أن يعمل حربًا مفتوحة تصل من خلالها أو لا تصل إلى حلّ، أعتقد أنه وصل إلى ما أراده من هذه الجزئية. في الآخر حصل اعتراف دولي بالأزمة بين لبنان وسوريا وأتى الأخضر الإبراهيمي. ماذا حصل بعدها وكيف تمّت معالجة الموضوع دوليًا كيف أخطأ اللبنانيون بحق أنفسهم، وقد يكون هو أخطأ، لا يمكن أخذ جزئية من التاريخ وفصلها عن السياق العام. في الآخر ماذا كانت النتيجة؟ هناك شخص رفض الطائف وآخرون قبلوا به، كيف وصلوا كلّهم إلى المحلّ نفسه؟
=تطوّعت في الجيش في هذه المرحلة؟
\ كنت متطوِّعًا في الصليب الأحمر. عند انتخاب رينيه معوّض رئيسًا للجمهورية كان يجب أن يبقى الصليب الأحمر محايدًا ولكنهم اعترفوا بمعوّض. اعتبرت هذا الأمر انحيازًا. تركت والتحقت بالجيش ستة أشهر حتى صار 13 تشرين.
= الأخضر الإبراهيمي حاول إقناع الجنرال عون بالتسوية هل أخطأ في رفضها؟
\ يجب وضع الأمور في السياق العام للأحداث. إذا اعتبرنا أنه أخطأ كيف وصل الذين مشوا في التسوية إلى الحائط المسدود؟ كان الجنرال يقول اعطوني ضمانات أن السوري ينسحب وأنّ الطائف يُطبَّق. السوري تأخر 15 سنة. حصلت أخطاء لبنانية كبيرة ولا نزال نكرّر نفس الأخطاء. لماذا لم تحلّ المشاكل من الأساس؟ لماذا لم نمنع تسليح الفلسطينيين ولماذا شرّعنا عملهم عام 1969؟ أحكي كمسيحي. إذا بقينا نسأل الحق على مين لا يمكن أن نبني بلدًا.
يتبع الخميس 8 كانون الثاني 2026
13 تشرين وتأسيس التيار ودور أبو نعيم
خلاف وتنسيق بين قيادتين ظاهرة وخفية