لا يتوقع نعيم عون أن يتمكن "التيار الوطني الحر" من الخروج من أزمته التي تفاقمت بعد تولّي الجنرال ميشال عون رئاسة الجمهورية. منذ العام 2013 بدأ الخلاف يكبر بعدما صار أسير صهره جبران باسيل. يروي نعيم عون في هذه الحلقة الأخيرة من "نداء السنين" قصة الخلاف ويحمِّل الجنرال المسؤولية بالدرجة الأولى ويردّ بقوّة على اتهامه والذين خرجوا من التيار بالخيانة.
= كنت من الذين اشتغلوا للتفاهم مع "حزب الله"؟
* زياد عبس وجبران كانا مكلّفين رسميًّا. كنت مطلعًا على الموضوع بحكم قربي وموقعي.
= أعطى هذا التفاهم النتائج التي كانت مطلوبة منه؟
* يجب أن نفهم السياق الذي أتى فيه. هناك كلام أنه خرب الدني. الجنرال عون بعد انتخابات عام 2005 عمل مطالعة في مجلس النواب كانت ضد "حزب الله". بدأ الخلاف مع 14 آذار حول المقاربة المتعلّقة بالمرحلة المقبلة بخصوص الانتخابات والعلاقة مع "الحزب". كان يريد أن يحصل تفاهم معه في ظل الضغط الدولي والحالة الشعبية. كانوا يرفضون. آخر 2005، في تشرين، ذهب إلى أميركا وعقد اجتماعات. كان السؤال كيف يحلّ المشكلة. لم تكن هناك إجابات. لا تدخل خارجي. لا حرب. عرف الأميركان. الجنرال أبلغهم أنه يتجه للتفاهم مع "حزب الله". كيف أكون مع مصالحة الجبل مع الدروز ومع التفاهم المسيحي المسيحي ولا أكون مع المصالحة مع "حزب الله"؟
= لم تكن مختلفًا مع توجهات التيار. متى بدأ الاختلاف مع الجنرال عون ومتى وقع الخلاف؟
* الإاختلاف بدأ على آلية اتخاذ القرار.
= اجتمعت معه لبحث هذا الأمر؟
* هذه المسألة استغرقت عشرة أعوام. بين 2005 و2015.
= مسألة توريث جبران باسيل هي التي فجّرت الخلاف؟
* جبران باسيل ما بدّو شراكة بالقرار. وصلت مع الجنرال إلى تفاهم آخر 2014 واجتمعت معه عام 2013 وقلت له: عم يقولولي بدّك جبران. أنكر في البداية. كنت أعرف مَن أوصل الخبر. قلت له: بدّك ياه رئيس حزب اعملو رئيس حزب بس عمول حزب. كان هذا الحديث مطلع 2013. كانون الثاني وشباط. "ثلاث قصص لا تفعلوها: لا تهدّدوا وجود أحد لا العاطفي ولا المادي، الشراكة تتأمّن بالديمقراطية والتصويت، والمداورة تؤمّن مصالح الكل، وهناك محلات للجميع وللناس الذين عندهم طموح. عمول هالأمور وعمول اللي بدّك ياه".
= لماذا لم يطرح اسمك لتكون وزيرًا مثلًا أو لتترشح إلى الإنتخابات؟
* خلص. عم نحكي هون كنا صرنا بالـ 2013. عملية إقصاء الجميع ليوصل جبران هي التي أوصلت إلى هذا الانهيار.
= بدأت عام 2008 مع "عمرها ما تتشكّل حكومة لعيون صهر الجنرال"؟
* قبل ذلك. من الأول بدأنا نشعر بذلك. تعايشنا مع هذا الوضع وكان الجنرال لا يزال ضابط الإيقاع حتى حصل الشرود في الأداء بسبب الحسابات الضيقة. لم أخالفه في الاستراتيجية الكبرى واليوم لست ضدّه فيها. ولكن لا يكفي أن ترسم صورة جميلة لبناية ويجي واحد يعمّرها غلط. مجموعة الأخطاء الصغيرة تصير تساوي خطأ استراتيجيًا.
= أنتم الذين اختلفتم مع العماد عون أو مع جبران باسيل في 2015 أخطأتم في إدارة المعركة؟
* لم نخطئ. المعركة فُرِضت علينا. ما حدا منا كان يفكّر في هذه المواضيع. صارت ردّة فعل.
= طُرِح ألان عون مرشحًا لرئاسة التيار؟
* ترشيح ألان عون كان أيضًا ردّة فعل على الأسلوب الذي كان يتبعه جبران والجنرال. اتفقت مع الجنرال بعد جلسات طويلة في تشارين 2014 على أنه إذا لم يكن هناك ثقة بالقيادة لا تكون هناك قيادة ولا يكون هناك حكم. وصلنا إلى حلّ رفضه جبران.
= أيّ حلّ؟
* عملية الشراكة في القرار.
= طلبت أن يكون هناك دستور للحزب؟
* وصلنا لذلك وعملنا نظام.
= رجع تعدّل؟
* بتصير تزحط لتوصل للخطأ. ليس بالضرورة أن يكون ذلك بخطوة واحدة. عندما تأخذ قرارات أحادية من دون محاسبة ومراقبة وضوابط تشرد حتى لا نحكي عن الحسابات الثانية والمضاربات والمصالح.
= هل استعجل الجنرال بإعطاء رئاسة التيار لباسيل؟ كان يمكن أن يبقى هو؟
*خلص. بغض النظر عما إذا كان استعجل أم لا. الوضع الذي نبّهت منه ورفضته ولم أساير فيه يعيشونه اليوم.
= الذين أجّلوا المشكل عادوا ووقعوا فيه؟
* يصطفلوا. أنا من اليوم الأول لم أساوم في الموضوع. القصة مبدئية. لا يمكن أن تكون شريكًا في الخسارة فقط. منعمل شراكة الربح لك والخسارة عليّ. كيف ذلك؟ أكون شريكًا في أي قرار؟ الإنهيار الحاصل اليوم في التيار نتيجة ماذا؟ تراكم أخطاء وقرارات خاطئة أوصلت إلى هنا وسوء إدارة وممارسة في الحكم. هذه الأمور كلها لماذا عليّ أن أتحمّلها؟
= مرحلة 2015 أوصلت الجنرال عون إلى رئاسة الجمهورية. إلى أي حدّ كان التفاهم مع "القوات" أساسيًا في هذا الوصول؟
* كان ممرًّا إلزاميًا. جعجع كان يعرف أنه غير قادر على الوصول ولذلك راحوا على التفاهم. هذا الاتفاق كان حاجة وضرورة إنما لم يعالج المشاكل العميقة. رجعوا كشفوه ولكن كان معي تفاصيله وهو عم ينطبخ وكان قصّة محاصصة.
= من يتحمل مسؤولية انهيار هذا التفاهم؟
* في هذه الجزئية جبران نتيجة عدم التزامه بالاتفاق وسعيه إلى السمسرة ومدير من هون وموظف من هون. هناك مسؤولية مشتركة على الطرفين نتيجة عدم طرح مواضيع المشاكل الحقيقية على الطاولة للمعالجة.
= بغض النظر عن هذا التفاهم عاد الجنرال عون بعد عامين وواجه انتفاضة 17 تشرين وانهيار العهد.
* أحكي من منظار أنني خارج التيار ولست في "القوات". أنظر إلى مسألة ماذا كان يجب أن يفعلوا. كان يجب البناء على ثوابت في مقاربة المشاكل الحقيقية. على شو مختلفين؟ حيث يجب أن تكون هناك منافسة اتفقوا على المحاصصة وحيث المشاكل الحقيقية في وضع "حزب الله" وسوريا والتحديات المسيحية لم يعالجوا شيئًا. ما عملوا لجان تكمّل. هنا توجد مسؤولية مشتركة. جزئية الاتفاق كما كان منصوصًا جبران كسره بحالة طمع.
= سقوط اتفاق معراب أسهم بالوصول إلى ثورة 17 تشرين وانهيار العهد؟ هم يقولون ما خلّونا. من وصل إلى السلطة مع كل الإمكانيات ومع دعم "القوات" و"حزب الله" وكثيرين لماذا أضاع الفرصة؟
* هذه واحدة من القصص التي كنت أحكي عنها. هناك خطأ استراتيجي عند الجنرال. عشية الدخول إلى بعبدا في ظل هذه التفاهمات كان يجب أن يدعو لحوار وطني للبحث في المشكلات الكبيرة. الجنرال وصل إلى الرئاسة نتيجة فشل الآخرين. ما حدا بدّو ياه. الحاجة وتضارب المصالح أوصلوه.
= هنأته بعد انتخابه؟
* لم أقابله منذ 2015. التقيته عام 2020.
= بعد ثورة 17 تشرين؟
* نعم.
= هو طلب لقاءك؟ عدت لعنده من موقع قوة؟
*شو يعني من موقع قوة؟ إنو طلع معي حق ونبّهت على مواضيع وصارت؟
= قلت له ذلك؟
*نعم. دخلت لعنده بحكم العلاقة الطويلة بيننا وهو بمثابة والد لي وعرّاب. يسمح لي أن أكون مختلفًا في مقاربة الأمور معه. اليوم يمكن أن ألتقيه وكأننا التقينا مبارح. كنا في زمن كورونا، قلت له أنا على الصعيد الشخصي والعائلي وعلى الصعيد المسيحي واللبناني ما عندي مصلحة أن تنكسر هنا. هكذا بدأ الحديث الذي أسّس لست أو سبع جلسات لاحقة حتى آخر تشارين.
= جلسات غسل قلوب؟
*لا. لم نحكِ إلا بالسياسة.
= التقيت جبران؟
*كلا.
= منذ متى لم تلتقِه؟
*من زمان. ربما التقينا في مناسبات عامة. أصلًا لم يحصل مشكل مباشر بيننا. المشكل مع الجنرال. أحمِّله هو المسؤولية. لا أنفي المسؤولية عن جبران. إذا أرسلت شخصًا ليقتل شخصًا آخر ألا تقع عليه المسؤولية؟ بلى.
= طرحت عليه حلولًا؟
* أكيد. ما حكيت عن التيار ولا جبت سيرة جبران. حكيت بكيفية إنقاذ الوضع على المستوى اللبناني.
= كان صار الجنرال غير قادر أن يفعل شيئا؟
*له أسبابه. يقول لك سيفعل ولا يفعل. كان صار أسير جبران ولعبة جبران. هذه المسألة كلفت تطيير سعد الحريري.
= هل كان صار أسير محاولة انتخاب جبران رئيسًا؟
* هذه المسألة بدأت من الأول. فاتوا على بعبدا عم يحكوا بجبران رئيس. كانت هذه العبثية السريالية، إذا نجح الأول بتنجح وإذا فشل الأول كيف ستنجح؟ هناك تناقض في الموضوع.
= هل يمكن أن يخرج التيار من هذه الحالة أم أنه ذاهب إلى مزيد من الانهيار؟
* هذا كان توصيفي القديم. ما بيقوم منها التيار. أول خطوة في معالجة مشكل أن تعترف بوجوده. الخطوة الثانية تحدّد أسبابه. الثالثة تحدّد العلاج. الرابعة تطبّق الحلّ. إذا مش معترفين بخطئهم ولا يزالون في حالة إنكار للواقع تصير حالتهم مرضية. صرت أشفق عليهم. كيف بدّك تخلّص واحد هيك؟ إذا بدّك تساعدو وما بدّو يساعد حالو؟
= في تغريدة للجنرال يقول إنه هو الذي طرد الذين خرجوا من التيار لأنهم خانوا التيار. هل يمسّك هذا الكلام شخصيًا؟
* أكيد يمسّني. أهمّ نقطة تمسّني هي الخروج عن المبادئ والخيانة. بدك تهرب منهم ما بتقدر. تقول إن الجنرال صار في آخر أيامه وما بدّك تحكي عنو، ولكن هذا الكلام يمسّني. إنسَ الذين فلّوا. أنت ليش عم تنهار؟ لا يركزون على مشكلتهم. أتحدّى الجنرال أن يضع المبادئ ويقول أين صارت الخيانة؟ موضوع المبادئ والخيانة مقدّس عندي. ما حدا يقرّب عليي لأنني في هذا الموضوع لا أرحم. ما هي المبادئ التي تأسس التيار عليها وخانها الذين فلّوا من التيار؟ مَن عنده الجرأة ليقول أين صارت الخيانة؟ تكبير الكلام عن الخيانة والمبادئ لجلب أشخاص لا يزالون عاطفيًا مرتبطين مع التيار أو لتخبئة الأخطاء لا تمشي معي. بالسياسة ما عندي طموح معهم وعلى الصعيد الشخصي مسامحهم باللي بدّهم ياه.
= الجنرال كتب التغريدة؟
* كاتب أو مش كاتب. بهالموضوع لا أساير. في السياسة أساير. هاتان النقطتان خط أحمر عندي. كلّفوني حياتي. هيك بتجي بتتهم واحد بالخيانة لأنك عم تعمل ضَرْبِيّة معيّنة؟ ما بتمشي معي.
= نتيجة تجربتك بأي خلاصة خرجت وما هي رسالتك إلى الجيل الجديد؟
* أقول للشباب نحن لم نصل إلى ما وصلنا إليه إلا نتيجة أخطاء. يجب أن نعمل نقدًا ذاتيًا لا أن نكون قطعانًا نمشي كيفما كان. يجب أن نعرف لماذا نفعل ما نفعله وأن لا نكرّر أخطاء الماضي. كثيرون عملوا ردّة فعل ويحذرون من التعاطي في السياسة وهذا خطأ. لست نادمًا على ما فعلته في حياتي. لا يُبنى وطن إذا شبابه لم يشاركوا أو ينخرطوا أو يساهموا في العمل السياسي والشأن العام. يجب أن تشارك في تأسيس مستقبلك وصناعته برعاية الكبار الذين لديهم خبرة أكثر منك ولكن يجب أن يكون لديك حسّ نقدي. لا يمكن حلّ المشاكل بالطريقة التي تُحلّ بها. المراهنة على الخارج خطأ قاتل. جرّبناه وطلع فاشل. البعض يطرح الطلاق أو التقسيم. جرّبنا الحرب. هل تريدون حربًا ثانية؟ النقاش العميق ليس بين من يريد دولة ومن لا يريد دولة، أو بين من يريد السلاح ومن يرفض السلاح. السؤال الحقيقي كيف ننتقل من هذا الوضع إلى وضع أفضل وبأي أسلوب؟ من يريد بالقوة ومن يريد بالرواق والسلم؟ كيف تؤمن الانتقال للمجموعة المزروكة؟ عم نضلّ نراهن على متغيرات.
=راضي عن تجربتك؟
*مية بالمية. ما عملت إلا قناعاتي.
لقراءة الجزء الأول من المقابلة يرجى الضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني من المقابلة يرجى الضغط هنا
لقراءة الجزء الثالث من المقابلة يرجى الضغط هنا