الدكتور دريد بشرّاوي

مادورو، السيادة، والحصانة: القانون الدولي في مواجهة الجريمة العابرة للحدود

21 دقيقة للقراءة

المقدّمة

ارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات تمثل ما يُعرف باليسار الغوغائي الراديكالي ومحور "الممانعة" الإيراني في لبنان، ومن يدور في فلكه من ميليشيات وتنظيمات مسلّحة، لإدانة العملية الأميركية التي أفضت إلى إلقاء القبض على نيكولاس مادورو، الذي اغتصب السلطة في فنزويلا، وللتشكيك في شرعية هذه العملية من منظور القانون الدولي العام. وقد لجأت هذه الجهات، في معرض تبرير مواقفها، تارةً إلى خطاب "المقاومة"، وطورًا إلى تأويل انتقائي للقانون الدولي، في محاولة مكشوفة لتحويل هذا القانون إلى أداة سياسية تُفسَّر وتُطبَّق على قياس أهداف محور "الممانعة" والميليشيات التابعة له، سواء في لبنان أم في غزة أم في ساحات أخرى.

وبحسب هذا الخطاب، فإن العملية الأميركية تشكّل، زعمًا، انتهاكًا صارخًا لمبدأ سيادة الدول، وخرقًا لقواعد القانون الدولي، ولا تندرج في إطار حق الدفاع المشروع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن الادّعاء بأن "الرئيس الفنزويلي" يتمتع بحصانة دولية مطلقة تحول دون إلقاء القبض عليه أو ملاحقته أمام القضاء الأميركيّ.

غير أن هذه المقاربة تتجاهل بصورة متعمّدة التطوّر الجوهريّ الذي شهده القانون الدولي العام، سواء على مستوى النصوص التأسيسية أم على مستوى الفقه الدولي المعاصر أم على مستوى اجتهاد القضاء الدولي، ولا سيّما محكمة العدل الدولية. كما تتجاهل الوقائع الثابتة والمتراكمة المتصلة بطبيعة نظام مادورو، وبالطريقة التي وصل بها إلى السلطة، وبالدور البنيويّ الذي اضطلع به هذا النظام في الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفي تهديد السلم والأمن الدوليين.

وعلى خلفية إعلان الولايات المتحدة إلقاء القبض على نيكولاس مادورو موروس، رئيس جمهورية فنزويلا، ظهرت جدالات واسعة في الساحة الدولية حول مدى شرعية هذه العملية من منظور القانون الدولي العام، وعلاقتها بحق الدفاع المشروع عن النفس، وحدود السيادة والحصانة الرئاسيّة في مواجهة الجرائم الدولية الكبرى. وهو ما يستلزم تحليلًا قانونيًا معمّقًا يستند إلى نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وإلى الفقه الدولي الرصين، وإلى اجتهادات محكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية الدولية، فضلًا عن الوقائع الموضوعية المثبتة في تقارير دولية مستقلة، ولا سيّما تلك المتصلة بالانتخابات الأخيرة في فنزويلا وبنشاطات النظام الحاكم.

ويُظهر التحليل القانوني الدولي، بصورة لا تقبل الشك، أن السيادة لم تعد مبدأً مطلقًا أو غير قابل للتقييد، وأن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تُجيز للدول ممارسة حق الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة هجمات مسلّحة فعلية أو بمثابة هجمات مسلّحة، أو أخطار وشيكة، أو أفعال ممنهجة شاملة ذات آثار مدمّرة واسعة، حتى في حال عجز مجلس الأمن عن الاضطلاع بدوره بسبب الشلل السياسي الناتج عن استخدام حق النقض. كما تُثبت الوقائع المتصلة بمادورو أن رئاسته تفتقر إلى أي شرعية دستورية أو دولية، وأن النظام الذي يقوده تحوّل إلى أداة للجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما يُسقط أي ادّعاء بالحماية المستمدّة من السيادة أو من الحصانة الرئاسية.

وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى عرض استنتاجات قانونية تحليلية تستند إلى الفقه الدولي والنصوص الدولية والاجتهادات القضائية الدولية، ومدعومة بوقائع ثابتة واردة في مصادر دولية وتحقيقات مستقلة، في ما يتصل بمبدأ السيادة من جهة، وبالحصانة الرئاسية من جهة أخرى.

أولًا: مبدأ سيادة الدول: مبدأ غير مطلق

يُعدّ مبدأ سيادة الدول من المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام، وقد كُرّس صراحة في المادة 2/1 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن هذا المبدأ، وفق ما استقرّ عليه الفقه الدولي واجتهاد محكمة العدل الدولية، لا يتمتع بطابع مطلق أو غير قابل للتقييد.

فالتحليل القانوني الدولي يوضح، كما استقرّ عليه اجتهاد محكمة العدل الدولية، أن مبدأ سيادة الدول يُمارَس ضمن إطار القانون الدولي والالتزامات الناشئة عنه. فقد أكّدت المحكمة، منذ حكمها في قضية قناة كورفو (المملكة المتحدة ضد ألبانيا، 1949)، أن السيادة لا يمكن التذرّع بها لتبرير أفعال أو امتناعات تُلحق ضررًا بدول أخرى أو تهدّد السلم والأمن الدوليين. كما شدّدت في قضية الأنشطة العسكريّة وشبه العسكريّة في نيكاراغوا (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، 1986) على أن ممارسة السيادة تبقى خاضعة لقواعد القانون الدولي، ولا سيّما حظر استخدام القوة والالتزام بالقواعد الآمرة. وكرّست المحكمة هذا التوجه في قضية الأنشطة المسلّحة على أراضي الكونغو (الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، 2005)، حيث أقرّت بأن احترام السيادة الإقليمية لا يحول دون قيام المسؤولية الدولية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وعليه، فإن السيادة وفق القضاء الدولي لم تعد درعًا قانونيًا مطلقًا، بل وظيفة قانونية مقيّدة، تسقط حدودها متى تحوّلت الدولة إلى مصدر تهديد جسيم للسلم والأمن الدوليين أو إلى أداة لارتكاب جرائم دولية منظمة.

ويذهب فقهاء القانون الدولي، وفي مقدّمهم إيان براونلي، إلى أن السيادة لم تعد سلطة مطلقة، بل أصبحت مفهومًا قانونيًا وظيفيًا يُمارَس في إطار احترام القواعد الآمرة في القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية (Brownlie, Principles of Public International Law). كما يؤكد أنطونيو كاسيسي أن تطوّر القانون الدولي، ولا سيّما في مجال الجرائم الدولية وحماية السلم الدولي، أدّى إلى تآكل المفهوم التقليدي للسيادة، بحيث لم يعد ممكنًا التذرّع بها لتبرير انتهاكات جسيمة أو تهديد السلم والأمن الدوليين (Cassese, International Law).

وعليه، فإن مبدأ سيادة الدول يخضع لاستثناءات تقيّد هذه السيادة في الممارسة الدولية، وتجيز للدولة المتضرّرة ممارسة حق الدفاع المشروع المنصوص عليه بأحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

ألف: الاستثناءات التي تقيّد السيادة في الممارسة الدولية

على الرغم من أن السيادة الوطنية تعتبر ركيزة أساسية في القانون الدولي، فإنها ليست مطلقة، ويُمكن تقييدها في حالات استثنائية عندما تُهدّد الدولة نفسها دولًا أخرى أو ترتكب جرائم جسيمة ضد دول أو مجموعات بشرية محميّة، أو حين يفشل مجلس الأمن في حماية السلم الدوليّ بسبب الفيتو أو الشلل السياسي. وفي سياق فنزويلا، تتضح ثلاث حالات لتقييد السيادة:

1ـ العدوان المسلّح

يُقصد بالعدوان، وفق الصيغة الكلاسيكية الواردة في المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، استخدام القوة من قبل دولة أو بواسطة أجهزتها ضد دولة أخرى على نحو يهدّد السلم والأمن الدوليين. غير أن اجتهاد محكمة العدل الدولية، مقرونًا بالتطوّر الفقهي في القانون الدولي العام، بيّن أن مفهوم "العدوان" أو "الهجوم المسلح" لا يمكن حصره في الاستخدام العسكري التقليدي المباشر للقوّة المسلّحة، بل يجب تقييمه على أساس جسامة الفعل وآثاره الواقعية.

وقد أكّدت المحكمة في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة)، حكم 27 حزيران 1986،  (ICJ Reports 1986) أن الهجوم المسلّح لا يقتصر على تدخل القوات النظامية، بل قد يشمل أشكالًا أخرى من استخدام القوّة غير المباشر متى بلغت حدًا معيّنًا من الخطورة والجسامة. كما شدّدت المحكمة في قضية المنصّات النفطية (إيران ضد الولايات المتحدة)، حكم 6 تشرين الثاني 2003، (ICJ Reports 2003) على أن توصيف الفعل كـ "هجوم" يبرّر تفعيل حق الدفاع المشروع لا يقوم على شكله الظاهريّ فقط، بل على نتائجه العملية وآثاره التدميريّة ومدى تهديده الأمن القومي للدولة المستهدفة.

وقد عزز الفقه الدولي هذا التوجّه القضائي، إذ يذهب إيان براونلي إلى أن مفهوم استخدام القوّة يجب تفسيره في ضوء آثاره الواقعية لا وسيلته التقنية، معتبرًا أن الأفعال التي تُحدث دمارًا بشريًا واسع النطاق يمكن أن تُناقش ضمن إطار حظر استخدام القوة حتى وإن لم تتخذ شكلًا عسكريًا تقليديًا (Brownlie, Principles of Public International Law). كما يؤكّد يوآف دينشتاين أن "الهجوم المسلّح" هو مفهوم وظيفيّ يرتبط بجسامة الضرر لا بنوع السلاح، وأن الأفعال غير التقليديّة قد ترقى إلى مستوى الهجوم المسلّح إذا كانت منهجية، مستمرّة، ومميتة في آثارها (Dinstein, War, Aggression and Self-Defence).

2 ـ مواجهة جرائم منظمة عابرة للحدود ترتقي إلى الجنايات ضد الإنسانية وتبرّر حق الدفاع

عند إسقاط هذه المعايير القضائية والفقهية على حالة نيكولاس مادورو، يتبيّن أن تصدير المخدّرات والأسلحة بصورة واسعة ومنهجية، بواسطة أجهزة الدولة أو بتوجيه مباشر من السلطة العليا، لا يمكن توصيفه كجريمة جنائية عابرة فحسب، بل يرقى إلى اعتداء أو هجوم ممنهج غير تقليدي شامل وعابر للحدود. فالمخدّرات، ولا سيّما الكوكايين، تُشكّل أداة قتل جماعي بطيء تؤدّي إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص سنويًا، وتُلحق أضرارًا جسيمة بالبنى الاجتماعية والصحية والأمنية للدولة المستهدفة.

وإذا ثبت أن هذا التصدير للمخدّرات يتمّ برعاية رسميّة أو بقرار سياسي صادر عن أعلى هرم السلطة، فإن الفعل يخرج من نطاق الجريمة المنظمة التقليدية ويدخل في إطار الهجوم المنهجي الشامل ذي الآثار المميتة الواسعة، بما يجعله، وفق ما استقرّ عليه اجتهاد محكمة العدل الدولية والفقه الدولي المعاصر، قابلًا للتكييف كاعتداء بمثابة هجوم مسلّح يشكل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين ويبرّر تفعيل حق الدفاع المشروع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وكذلك، فإن دعم المنظمات الإرهابية وتزويدها بالأسلحة لارتكاب اعتداءات في الولايات المتحدة الأميركية، يُعدّان هجومًا ممنهجًا وشاملًا ضد مجموعات مدنية. ووفقًا للاتهامات الموجّهة لمادورو، فقد دعم النظام الفنزويلي جماعات مسلّحة نفذت أعمال عنف ضد المدنيين، وشارك في عمليات تهريب المخدّرات الواسعة النطاق التي أودت بحياة آلاف المدنيين، ما يُصنّف كـ "هجوم منهجي" وبالتالي جناية ضد الإنسانية تهدّد مجموعة بشرية محمية والأمن والسلم الدوليين.

وعلى هذا الأساس، فإن هذه الجرائم المنظمة تصبح جرائم دولية كونها عابرة للحدود وتشمل الأنشطة التي تتجاوز الدولة الواحدة، مثل الاتجار بالمخدّرات، وغسل الأموال، والإرهاب الدولي، وتهريب الأسلحة.

ومن المؤكد أن الإدارة الفنزويلية أشرفت على "كارتل الشمس" ومنظومات تهريب مخدّرات دولية بالتنسيق مع FARC ومجموعات إرهابية أخرى مصنفة دوليًا، ما جعل الدولة أداة للجريمة المنظمة الدولية. وبذلك، تتضح الوقائع أن الدولة لم تعد مستقلة أو شرعية، ما يسقط أي ذريعة للتمسّك بالحصانة أو حماية السيادة، لأن الدولة تتحوّل في هذه الحالة إلى منصّة للجريمة المنظمة، وهي مسؤولية دولية تبرر التدخل أو اتخاذ إجراءات دفاعية.

ومن خلال الممارسة الدولية، توجد سوابق عديدة جرى فيها تجاوز أو تقييد سيادة دول، من دون صدور قرارات صريحة ومباشرة عن مجلس الأمن. فالتدخل العسكري في العراق عام 2003 وما أعقبه من خلع نظام صدام حسين، لم يسبقه قرار صريح من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة، بل جرى تبريره سياسيًا وقانونيًا بذريعة الأمن الدولي والأسلحة المحظورة. وكذلك في ليبيا عام 2011، حيث انتهى الأمر بقتل معمر القذافي، في سياق لم يحظَ بتفويض دولي صريح يجيز تغيير النظام أو اغتيال رئيس الدولة. ولا ننسى أنه بتاريخ 3 كانون الثاني 1990 اعتقلت القوات الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الأب رئيس بنما مانويل نورييغا، باتهامات بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدّرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب عدم القدرة على حفظ الأمن حول قناة بنما.

3ـ استخدام حق النقض وتعطيل الأمم المتحدة

ويُضاف إلى ما سبق أن تعطيل المسار الدولي في مثل هذه الحالات لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مباشرة لاستخدام حق النقض داخل مجلس الأمن، ولا سيّما من قبل روسيا، ما أدى عمليًا إلى شلل المجلس وتعطيل الدور المنوط بالأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين.

وقد تجلّى هذا التعطيل بوضوح في الحالة السورية، حيث حال النقض الروسي المتكرر دون صدور قرارات ملزمة لوقف الانتهاكات الجسيمة أو مساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية، بينما شهدت سوريا تدخلًا خارجيًا مباشرًا من تركيا، ودعم مجموعات مسلحة كانت تصنف دوليًا على أنها إرهابية، ما ساهم في قلب نظام بشار الأسد الإجرامي وإقامة هيكل سلطوي جديد تحت سلطة هذه المجموعات المسلّحة، وهو ما أفرغ آليات الأمن الجماعي من فعاليتها وأطال النزاع وزاد من حجم الانتهاكات ضد المدنيين.

وقد أقرّ فقه دولي واسع بأن هذا الشلل المؤسسيّ لا يمكن أن يُفسّر على أنه إسقاط ضمنيّ للحقوق والواجبات التي يقرّها ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيّما حق الدول في حماية أمنها وشعوبها من أخطار جسيمة ومستمرّة. ويذهب أنطونيو كاسيسي إلى أن عجز مجلس الأمن الناتج عن إساءة استخدام حق النقض لا يمكن أن يحول دون تطوّر قواعد القانون الدولي أو منح حصانة فعلية للأنظمة المنتهِكة، معتبرًا أن الجمود داخل المجلس لا يعلو على القواعد الآمرة ولا يبرّر استمرار تهديد السلم الدولي (Cassese, International Law). كما يؤكد برونو سيما أن نظام الأمن الجماعي يفقد جزءًا من فعاليته عندما يُشلّ المجلس سياسيًا، وأن هذا الشلل لا يجوز أن يؤدي إلى تعطيل كل أشكال الاستجابة القانونية المشروعة للأخطار الدولية الجسيمة (Simma et al., The Charter of the United Nations: A Commentary).

ويضيف كريستوفر غرينوود ومارك ويلر أن الميثاق لم يُنشأ ليكون أداة تعطيل بيد دولة دائمة العضوية، وأن الغاية الأساسية منه هي حماية السلم الدولي لا تكريس الإفلات من المساءلة، بحيث لا يمكن تفسير صمت المجلس على أنه حظر مطلق لأي تدابير دفاعية تتخذها الدول في مواجهة تهديدات حقيقية ومستمرة (Greenwood; Wheeler).

وعليه، فإن تعطيل عمل مجلس الأمن بفعل النقض الروسي، إلى جانب التدخل الخارجيّ المسلّح غير الشرعي كما جرى في سوريا، لا يمكن أن يُفرغ ميثاق الأمم المتحدة من مضمونه، ولا أن يمنع الدول من اللجوء إلى تدابير دفاعية مشروعة عند مواجهة أخطار جسيمة وعابرة للحدود تهدّد أمنها القوميّ والسلم الدولي. وهو ما يبرّر – وفق القانون الدولي ووفق الاجتهاد القضائي والفقهي – التحرّك المباشر للدول لمواجهة مثل هذه الأخطار، بما في ذلك التدابير الاستباقية والدفاع المشروع عن النفس.

باء: العملية الأميركية وحق الدفاع المشروع

يمكن القبول بأن العملية الأميركية في القبض على مادورو تندرج في نطاق حق الدفاع المشروع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما فسّرته محكمة العدل الدولية في اجتهاداتها، ولا سيّما في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا (1986) وقضية المنصّات النفطية (إيران ضد الولايات المتحدة، 2003).

وأكدت المحكمة أن مفهوم "الهجوم المسلح" لا يقتصر على العمليات العسكرية التقليدية المباشرة، بل يمكن أن يشمل أفعالًا منهجية وعابرة للحدود، ذات آثار مدمّرة واسعة النطاق، بما في ذلك العمليات التي تهدّد حياة المدنيين أو البنى الاجتماعية والاقتصادية للدولة المتضرّرة.

ويذهب الفقه الدولي المعاصر، كما أشار إليه إيان براونلي ويوآف دينشتاين، إلى أن تصدير المخدّرات والأسلحة على نطاق دولي، وما ينجم عنه من وفيات جماعية وتفكك اجتماعي وأمني، يمكن أن يُشكّل تهديدًا شاملًا يرقى إلى مستوى الهجوم غير التقليدي، وهو ما يبرّر اتخاذ تدابير دفاعية حتى في غياب هجوم عسكري تقليدي (Brownlie; Dinstein).

كما يشمل التبرير القانوني لهذا الإجراء الشلل المؤسسي لمجلس الأمن بسبب إساءة استخدام حق النقض، ما عطّل قدرة الأمم المتحدة على اتخاذ أي إجراء فعّال لوقف التهديد. وقد أقرّ الفقه الدولي أن عجز المجلس عن التدخل لا يُفرغ ميثاق الأمم المتحدة من مضمونه، ولا يمنع الدول المتضرّرة من اللجوء إلى تدابير دفاعية مشروعة لحماية أمنها القومي وسلامة شعوبها، بما في ذلك الإجراءات الاستباقية لمواجهة أخطار جسيمة ومستمرّة (Cassese; Simma; Greenwood; Wheeler).

وعند إسقاط هذه المبادئ على حالة مادورو، يتبيّن أن تصدير المخدّرات على نطاق واسع، بما في ذلك الكوكايين والأسلحة، بموافقة أو إشراف السلطة العليا في الدولة، يشكّل اعتداءً منهجيًا شاملًا يهدّد حياة الملايين وأمن الولايات المتحدة والعالم، وهو ما يرقى قانونيًا إلى الهجوم غير التقليدي الذي يسمح بتفعيل حق الدفاع المشروع عن النفس وفق أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حتى في ظلّ غياب تدخل فاعل من مجلس الأمن.

وبهذا يصبح الإجراء الأميركي متطابقًا مع القانون الدولي، ومعايير القضاء الدولي، والاتجاهات الفقهية الحديثة التي توسّع مفهوم الهجوم المسلّح ليشمل التهديدات العابرة للحدود التي تهدّد الأمن والسلم الدوليين، لا سيّما أن شرعية رئاسة مادورو مطعون فيها داخليًا ودوليًا.

ثانيًا: هل يتمتع مادورو بصفة الرئيس الشرعي؟

يبدو من مجمل الوقائع المادية والنصوص الدستورية الوطنية أن مادورو لا يتمتع بصفة الرئيس الشرعي وهو لا يمكنه على هذا الأساس الاختباء وراء الحصانة الرئاسية.

في عام 2019، أعلنت الجمعية الوطنية الفنزويلية، استنادًا إلى نصوص الدستور الفنزويلي، أن مادورو اغتصب السلطة ولا يتمتع بصفة رئيس شرعي للبلاد. وقد أعقب ذلك رفض أكثر من خمسين دولة، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، الاعتراف به كرئيس شرعي، وهو موقف يعكس توافق المجتمع الدولي على معايير الشرعية الديمقراطية كأساس للاعتراف بالرؤساء المنتخبين، وفقًا لما نصّت عليه اتفاقية منظمة الدول الأميركية بشأن الديمقراطية والحقوق السياسية، وكذلك المبادئ المقرّرة في ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

وتكرّس هذا الرفض بعد الانتخابات الرئاسية في تموز 2024، التي شابتها خروقات جسيمة وفق تقارير منظمة الدول الأميركية والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك انتهاك استقلال الهيئات الانتخابية، وقمع المعارضة، ومنع الترشح، والتلاعب بالنتائج. ما يشير إلى أن العملية الانتخابية لم تستوفِ معايير الانتخابات الحرّة والنزيهة المعترف بها دوليًا، والتي تؤكدها المبادئ الفقهية الدولية لحقوق الإنسان والديمقراطية الانتخابية، كما أوضحها Antonio Cassese و Ian Brownlie في سياق تقييم شرعية السلطة السياسية.

ويُضاف إلى ذلك تورّط مادورو في إدارة "كارتل الشمس"، وهي منظمة فنزويلية متهمة بالاتجار بالمخدّرات، وتعاونه مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC) المصنفة منظمة إرهابية دوليًا، فضلًا عن مشاركته في شبكات غسل الأموال وتسليح ميليشيات غير نظامية. وتشير هذه الوقائع إلى أن الدولة نفسها أصبحت أداة للجريمة المنظمة العابرة للحدود (State Capture by Organized Crime)، وهو ما أقرّه فقهاء القانون الدولي مثل Dinstein وSimma، حيث يشكّل استخدام السلطة الرسمية في ارتكاب أو تسهيل جرائم دولية خطيرة، مثل الاتجار بالمخدّرات، الإرهاب، وغسل الأموال، تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي ويبرر مساءلة المسؤولين على المستوى الدولي (Dinstein, War, Aggression and Self-Defence; Simma et al., The Charter of the United Nations: A Commentary).

وعليه، فإن الوقائع المتعلقة بمادورو توضح غياب الشرعية الداخلية والدولية لرئاسته، وتحوله هو ونظامه إلى أداة للإجرام الدولي، بما يشكّل أساسًا قانونيًا للاعتقال والمساءلة أمام القضاء الدولي أو الوطني المختص، بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي العام، وحق الدفاع المشروع عن النفس للدول المتضررة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

باء: انتفاء الحصانة الرئاسية في ضوء القضاء الدولي

إن الحصانة الرئاسية ليست امتيازًا شخصيًا للرئيس أو المسؤول التنفيذي، بل هي أداة وظيفية تهدف إلى حماية استقرار العلاقات الدولية. وكما أكد الفقه الدولي والقضاء الدولي (Cassese, International Law; Brownlie, Principles of Public International Law) أن هذه الحصانة ليست مطلقة، وقد جرى تجاوزها في حالات عديدة، كما كرّست ذلك السوابق القضائية الدولية.

وعليه فلا يمكن لمادورو، في ظلّ كونه رئيسًا غير شرعي داخليًا ودوليًا ومشاركًا في أفعال جرمية دولية وعابرة للحدود، أن يستند إلى الحصانة الرئاسية كحماية مطلقة. فالحصانة، كما بيّنها الفقه الدولي والقضاء الدولي، هي أداة وظيفية موقتة تهدف إلى حماية استقرار العلاقات الدولية وليس إلى إخفاء الجرائم الدولية (Cassese, International Law).

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مذكرة التوقيف الدولية ضد الوزير البلجيكي السابق (Arrest Warrant Case, 2002) أن الحصانة لا تحمي رئيس الدولة أو المسؤولين التنفيذيين من المساءلة عن الجرائم الدولية الجسيمة، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، أو الجرائم العابرة للحدود المرتكبة بصورة منهجية. ويشمل ذلك استخدام الدولة كأداة للجريمة المنظمة، مثل الاتجار بالمخدّرات، التسليح، وتمويل الميليشيات غير النظامية، وهي أفعال تهدّد الأمن والسلم الدوليين.

كما أسقط القضاء الدولي الحصانة عن الرئيس السوداني عمر البشير، وصدرت بحقه مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2010 لملاحقته على جرائم ضد الإنسانية. كما خضع نظام معمر القذافي لملاحقات دولية، لا سيما في قضية لوكربي المتعلقة بتفجير طائرة شركة بان أميركان فوق قرية لوكربي الإسكتلندية في 21 كانون الأول 1988، ما أدى إلى مقتل 259 راكبًا وأفراد الطاقم، فضلًا عن ضحايا على الأرض. وقد أقرّ القضاءان الإسكتلندي والأميركي بمسؤولية النظام الليبي عن هذه الجريمة الإرهابية، من دون الاعتراف بأي حصانة تحول دون الملاحقة. كما ارتبط اسم النظام الليبي بقضايا إرهابية أخرى، بما في ذلك دعم تنظيمات مسلحة وتصدير متفجرات، وهو ما رسّخ مبدأ أن ارتكاب الجرائم الدولية يسقط الحصانة أيًا كانت الصفة الرسمية.

ويشير الفقه الدولي، من أمثال Ian Brownlie و Antonio Cassese، إلى أن الرؤساء الذين يتمتعون بالسلطة بطرق غير شرعية أو يغتصبونها لا يمكن أن يُعتبروا ممثلين للدولة بالمعنى الذي يبرر حصانة مطلقة (Brownlie, Principles of Public International Law). وبالمثل، يرى Yoram Dinstein أن حماية الحصانة تنتهي عندما يتحول الرئيس أو النظام إلى أداة لتنفيذ أفعال جرمية منهجية تمسّ الأمن الدولي أو حقوق الإنسان (Dinstein, War, Aggression and Self-Defence).

وبرز في الفقه الحديث مفهوم State Capture by Organized Crime، أي اختطاف الدولة من قبل الجريمة المنظمة، حيث تتحوّل السلطة السياسية إلى إدارة لشبكة إجرامية، ما يغيّر توصيفها القانوني من سلطة سيادية إلى كيان إجرامي، ويسقط عنها كل حماية قانونية تقليدية. ويشمل ذلك، وفق Dinstein و Simma، الحالات التي تستخدم فيها الدولة رسميًا في ارتكاب أو تسهيل جرائم دولية منهجية وعابرة للحدود، مثل الاتجار بالمخدّرات، الإرهاب، وغسل الأموال، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي ويبيح مساءلة المسؤولين على المستوى الدولي (Dinstein, War, Aggression and Self-Defence; Simma et al., The Charter of the United Nations: A Commentary).

وعليه، يصبح واضحًا أن الرؤساء أو الأنظمة غير الشرعية التي تتحوّل إلى أدوات للجريمة المنظمة الدولية لا يمكنها التذرّع بالحصانة الرئاسية، وأن القانون الدوليّ يتيح مساءلتهم، بما ينسجم مع مبادئ المسؤولية الفردية عن الجرائم الدولية، وحق الدول المتضرّرة في اتخاذ تدابير دفاعية مشروعة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

الخلاصة

إن إلقاء القبض على نيكولاس مادورو يندرج، من منظور القانون الدولي العام، في ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، في مواجهة تهديد منهجي وعابر للحدود تمثل في تصدير المخدّرات، وتمويل الإرهاب، واختراق السلم والأمن الدوليين. كما يندرج هذا الإجراء في الجهد الدولي المتنامي لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي باتت، في آثارها، تُشكّل هجومًا شاملًا ومنهجيًا على شعوب بأكملها، وعلى الإنسانية جمعاء.

ولا يمكن التذرّع بالسيادة أو بالحصانة الرئاسية لحماية منظومة إجرامية أو نظام اغتصب السلطة وارتكب جرائم ذات طابع دولي. فالقانون الدولي، في تطوّره المعاصر، لم يعد يعترف بسيادة تُستخدم غطاءً للجريمة، ولا بحصانة تُمنح لمن حوّل الدولة إلى أداة قتل بطيء عبر المخدّرات وتمويل الإرهاب. وفي ظلّ تعطيل المسار الدولي بفعل النقض الروسي وشلل الأمم المتحدة، تبقى مسؤولية الدول المتحضرة والديمقراطية قائمة في حماية شعوبها وأمنها والشعوب المغلوب على أمرها والمضطهدة بحكم الديكتاتوريات، ضمن حدود الشرعية الدولية المتطوّرة، لا الجمود الشكلي.



مستشار معتمد لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي

أستاذ محاضر في القانون الدولي الجزائي والإجراءات الجزائية الدولية في جامعة ستراسبورغ ـ فرنسا

محام عام أسبق في المحكمة الخاصة بلبنان

محام بالاستئناف والنقض