ريتا عازار

من إرث فرويد إلى عالم الأزياء

بيلا فرويد مصمِّمة تفكِّك الذاكرة بالقماش

7 دقائق للقراءة

في شقة لندنية هادئة، حيث الضوء شتوي خافت والأثاث يبدو كأنه اختير بعناية نفسية لا جمالية فقط، تجلس مصمّمة الأزياء بيلا فرويد وتدع ضيوفها يتمدّدون على أريكة بيضاء طويلة، فوقها نسخة من لوحة لفرانسيس بيكون. المشهد لا يبدو مصادفة. فمنذ عام 2024، تحوّلت هذه الأريكة إلى مسرح اعترافات معاصرة، ومنصّة حوار نادرة حول العلاقة بين الإنسان وملابسه، في "بودكاستها" الأسبوعيّ: "هوس الموضة" (Fashion Neurosis). فيه لا تُناقَش الصيحات ولا المواسم، بل تُستدرج الذاكرة، والطفولة، والجسد، والهوية، عبر سؤال يبدو بسيطًا لكنه ليس كذلك: ماذا ترتدي اليوم، ولماذا؟


أن تكون "بيلا فرويد"، يعني أن تحمل اسمًا محفورًا في تاريخ الفكر والفن معًا. هي حفيدة سيغموند فرويد، مؤسّس التحليل النفسي، والرجل الذي علّم العالم كيف يُصغي إلى اللاوعي، وكيف تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم الذات. وهي أيضًا ابنة لوسيان فرويد، أحد أعظم رسّامي القرن العشرين، الذي حوّل الجسد البشريّ إلى موضوع تأمُّل قاسٍ وصريح، وَرَسَم البشر كما هم، بلا تنميق ولا مجاملة.

هذا الإرث لم يكن عبئًا معلنًا في خطاب بيلا، لكنه حاضر كتيار خفيّ في كلّ ما تفعله. تقول إنها لم تقرأ كثيرًا من أعمال جدّها، لكن "البودكاست" نفسه، بفكرة الاستلقاء والبوح، يبدو كأنه امتداد غير مباشر لجلسات التحليل النفسيّ، وإن بصيغة ثقافية حديثة. الملابس، في هذا السياق، ليست قشرة خارجية، بل لغة بديلة للّاوعي، وسجلًا صامتًا للتجارب.


طفولة غير مستقرّة

نشأت بيلا فرويد في ظروف بعيدة من الصورة الأرستقراطية التي قد يوحي بها اسمها. فبعد انفصال والدَيها، عاشت مع والدتها برناردين كوفيرلي حياة بوهيميّة متقلّبة، تنقلت خلالها بين لندن والمغرب، وأقامت في فنادق رخيصة بمراكش، بينما كانت الأم منغمسة في التصوّف و "أدب جيل البيت". في تلك المرحلة، لم تكن الملابس ترفًا، بل تعبيرًا عن الحرية أحيانًا، وعن الفوضى أحيانًا أخرى.

تروي فرويد أنها عندما تُركت لشأنها، أرادت أن ترتدي ملابس صبيّ، وكأنها تبحث عن حماية أو حياد في عالم غير مستقرّ. وعندما عادت العائلة إلى إنكلترا واستقرّت في ساسكس، التحقت بـ "مدرسة شتاينر" التي منعت الزيّ المدرسيّ، وهي مفارقة لطفلة كانت تتوق إلى النظام والانضباط لا إلى الحرية المطلقة. هذا التوتر بين الرغبة في القالب والرغبة في كسره سيلازمها لاحقًا في تصاميمها.


الوعي بالموضة كَتمرُّد

عام 1977، كانت لندن تغلي بـ "ثورة البانك"، ووجدت بيلا فرويد نفسها في قلب المشهد. في السادسة عشرة، تركت المدرسة وعملت في متجر "سيديشيناريز" الذي كان يديره مالكولم ماكلارين وفيفيان ويستوود. هناك، لم تكن الملابس مجرّد منتجات، بل بيانات سياسية وجمالية، صادمة ومتعمّدة. تعلّمت فرويد من ويستوود أن الموضة يمكن أن تكون فكرًا، وموقفًا، وسؤالًا مفتوحًا.

لاحقًا، ستصف هذه الفترة بأنها أفضل تدريب ممكن. لم تتعلّم فقط القصّ والخياطة، بل تعلّمت كيف تُبنى الهوية عبر الملابس، وكيف يمكن لقطعة قماش أن تكون صرخة أو همسة، استفزازًا أو حماية.


إيطاليا العشق والكلاسيكية

في العشرينات من عمرها، دخلت بيلا فرويد في علاقة مع الأرستقراطي الإيطالي أليساندرو "دادو" روسبولي، الذي فتح لها أبواب عالم مختلف تمامًا: القصور، الخيّاطون الإيطاليّون، والبدلات المفصّلة بدقة. هناك، تعلّمت احترام الخياطة الكلاسيكية، وتفاصيل البدلة، وقيمة القماش. ستظلّ هذه التجربة الإيطالية حاضرة في أعمالها، في تلك الموازنة الدقيقة بين الصرامة والكسل، بين الهندسة والحرية.

عادت إلى لندن محمّلة بهذا المزاج الجديد، وأطلقت علامتها التجارية في مطلع التسعينات، مقدِّمة أزياء تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها مشحونة بإشارات ثقافية وأدبية ونفسية.


تصميم الأزياء كحوار داخليّ

تتميّز تصاميم بيلا فرويد ببدلات ثلاثية القطع، قمصان بأطواق عريضة، وكنزات محبوكة من صوف "الميرينو" تحمل شعارات مكتوبة بخط اليد: "غينسبيرغ هو اللّه". وهنا تشير بوضوح إلى ألن غينسبيرغ، الشاعر الأميركي وأحد أبرز رموز "جيل البيت" في خمسينات القرن العشرين وستيناته، وصاحب قصيدة "Howl". هذا الاختيار ليس عابرًا، لأن بيلا فرويد متأثرة ثقافيًا بذلك الجيل، سواء عبر قراءاتها أو عبر والدتها التي كانت قريبة من أجواء البوهيميا والرحلات والتصوّف والكتابة الحرّة. ومن الشعارات المكتوبة على الكنزات أيضًا: "أحبّك يا جاين" (جاين بيركين)، 1970. هذه العبارات ليست زينة، بل مفاتيح قراءة. إنها تحيل إلى الشعر، والسينما، والموسيقى، وإلى لحظات شخصيّة من حياة المصمّمة.

حتى شعار علامتها التجارية، وجه "كلب السلوقي بلوتو"، صمّمه والدها لوسيان فرويد، وكأن العلامة نفسها شجرة عائلة مصغرة، تختلط فيها السيرة الذاتية بالمُنتَج.


من الخزانة إلى الميكروفون

في عام 2024، انتقلت بيلا فرويد خطوة أخرى إلى الأمام، أو ربّما إلى الداخل. أطلقت بودكاست "هوس الموضة"، وفيه تستضيف مصمِّمين، ممثلين، موسيقيّين، كُتّابًا، ورياضيّين. من جوناثان أندرسون إلى كيت بلانشيت، ومن نيك كيف إلى روزاليا، يأتون جميعًا إلى شقتها، ويجلسون على الأريكة نفسها، ويُسألون الأسئلة نفسها.

اللافت أن فرويد لا تحاور ضيوفها كصحافيّة، بل كرفيقة، لا تسعى إلى سبق صحافيّ، بل إلى لحظة صدق. تسألهم عن أوّل قطعة ملابس جعلتهم يشعرون بالاختلاف، وعن علاقتهم بالعري، فتخرج قصصٌ عن الخجل، والقوّة، والرغبة، والخوف. هنا، تتقاطع الموضة مع علم النفس، من دون تنظير، بل عبر الحكايات.


الملابس أرشيف للذاكرة

في إحدى الحلقات، تتحدّث كيت بلانشيت عن زوج جوارب منحها شعورًا بالقوّة. ريك أوينز يتحدّث عن حرج طفولته بسبب جسده. كيت موس تستعيد حذاءً ورديًّا كانت تحلم به كطفلة. زادي سميث تروي علاقتها المتناقضة مع حذاء "نايكي" كانت ترفض شراءه لأسباب أيديولوجية. هذه التفاصيل الصغيرة تُظهر كيف تتحوّل الملابس إلى أرشيف للذاكرة، وكيف تختزن المشاعر أكثر ممّا نعتقد.

قد يبدو من السهل اختزال تجربة بيلا فرويد في اسمها أو علاقاتها، لكن ما يجعلها شخصية فريدة هو قدرتها على تحويل هذا الإرث إلى مادة حيّة، لا إلى عبء. هي لا "تفسّر" الموضة، بل تُصغي إليها. لا تُقدّم أجوبة جاهزة، بل تطرح أسئلة مفتوحة. في عالم يُصوَّر فيه قطاع الأزياء غالبًا كصناعة سطحيّة أو استهلاكية، يأتي "هوس الموضة" ليذكّرنا بأن ما نرتديه هو، في النهاية، شكل من أشكال السرد الذاتيّ، وأن قطعة قماش يمكن أن تحمل طفولة كاملة، أو خوفًا قديمًا، أو حلمًا مؤجّلًا.

في عمق تجربة بيلا فرويد، لا تبدو الموضة أبدًا كمسألة ذوق أو ترف، بل كفعل بقاء هادئ. فهي تنظر إلى الملابس بوصفها طبقة نفسية إضافية، جلدًا ثانيًا نرتديه لنواجه العالم ونخفي ضعفنا أو نعلنه. هذا الفهم لا يأتي من دراسة نظرية، بل من حياة عاشت فيها التقلّب واللايقين منذ الطفولة، بين أُمّ بوهيمية وبيوت موقتة وغياب الأب. لذلك، حين تتحدّث فرويد مع ضيوفها عن أول قطعة ملابس تركت أثرًا فيهم، فهي لا تبحث عن قصّة لطيفة، بل عن لحظة تَشَكُّل داخلي، عن نقطة التقاء بين الجسد والذاكرة. في هذا السياق، يصبح "البودكاست" مساحة اعتراف جماعيّ، حيث تُستبدل اللغة التحليليّة الجافة بحكايات شخصيّة، ويغدو القماش وسيطًا عاطفيًا، قادرًا على حمل الخجل، والرغبة، والقوّة، وحتى الصّمت. هنا تحديدًا، تلتقي سلالة فرويد النفسية مع حساسية مصمّمة تعرف أن ما نرتديه غالبًا يقول عنا أكثر ممّا نجرؤ على قوله.


الذات كما تُخاط

بيلا فرويد، المصمِّمة والمُحاوِرة، لا تفصل بين الخزانة والأريكة، بين البدلة والسؤال. في عالمها، تُخاط الذات كما تُخاط الملابس، بِغرَز ظاهرة وأخرى خفيّة، بأخطاء صغيرة تُكسبها إنسانيّتها، وبذاكرة لا يمكن محوها. ربّما لهذا السبب يبدو "بودكاستها" مشغولًا ومحبوكًا، ليس لأنه مخطَّط بِدقة، بل لأنه صادق، ويمنح للملابس ما تستحقه: أن تُؤخذ على محمل الجدّ كجزء لا يتجزأ من حكايتنا عن أنفسنا.



"بودكاست" بيلا فرويد


بالمقلوب... وتبدو "أريكة الاعتراف" (تصوير فيليستي)



من تصاميمها



الشِّعر حاضر دائمًا