بعد أن استعرضنا في المقال الأول دور القائد كعامل مضاعف للقوة Force Multiplier، وتناولنا في المقال الثاني إخفاقات النظام المركزي اللبناني، واستعرضنا في المقال الثالث المزايا العامة للفدرالية كنموذج للحكم، وانتقلنا في المقال الرابع مع السيد إياد حارث فؤاد أفرام البستاني إلى التطبيق العملي لهذه المبادئ على الواقع اللبناني، يأتي المقال الخامس ليتحدث عن ماذا يعني الاتحاد الفدرالي لك كمسيحي لبناني، مركزًا على الفوائد المباشرة التي سيحصل عليها الفرد والمجتمع من تطبيق هذا النموذج على أرض الواقع.
ومن المهم التأكيد أن ما نقدمه في هذا المقال موجّه للمسيحيين اللبنانيين بهدف توضيح الفوائد الخاصة بهم وكيفية تطبيق النظام الفدرالي على مجتمعهم. هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الفدرالية مقصورة على المسيحيين أو أننا نرفض أي طائفة أخرى. بل على العكس، ما هو مفيد للمسيحيين هو أيضًا قاعدة صالحة لبقية الطوائف: السنة، والشيعة، والدروز، لكي يبتكر كل مجتمع أفكاره ونماذجه الخاصة بما يتوافق مع احتياجاته وظروفه، في إطار نظام اتحادي يحافظ على الانفتاح على الديمقراطية وأي أفكار أخرى تخدم مصالح جميع اللبنانيين. بهذه الطريقة، يُحترم كل مجتمع، وتُترك له الحرية لتطوير أسلوبه الخاص، مع الحفاظ على التوافق والانسجام بين جميع مكونات لبنان.
كمسيحي لبناني، قد تبدو لك فكرة الاتحاد الفدرالي معقدة أو خاصة بالنخب والخبراء. لكن الحقيقة أنها بسيطة جدًا. الاتحاد الفدرالي يعني أن تعيش بكرامة في وطنك، وأن تستعيد السيطرة على حياتك اليومية، وألا تبقى رهينة دولة مركزية فاشلة سرقت أموالك ودمّرت الخدمات العامة، ودَفعت أبناءك إلى الهجرة. الاتحاد الفدرالي ليس مشروع تقسيم للبنان، بل هو وسيلتك لإصلاح ما انكسر خلال المئة سنة الماضية.
باستخدام النظام الاتحادي، تصبح القرارات التي تؤثر على حياتك مقرّبة منك. تُتخذ هذه القرارات على يد أشخاص من مدينتك أو قريتك، ويفهمون مشاكلك وحاجاتك وأولوياتك. لن تحتاج بعد اليوم إلى انتظار وزارات بعيدة وسياسيين لا يهتمون لمجتمعك؛ بل ستتمكن من إدارة شؤونك بنفسك ضمن دولة لبنانية واحدة موحّدة.
عندما يتعلق الأمر بالتمثيل السياسي، يمنحك الاتحاد الفدرالي حق انتخاب ممثليك مباشرة على المستوى المحلي. أنت تختار أشخاصًا تعرفهم، تستطيع لقاءهم، محاسبتهم، ومساءلتهم. هذا يضع حدًا لهيمنة الأحزاب الكبيرة التي تفرض مرشحيها عبر المال أو النفوذ أو التدخلات الخارجية. وعندما يكون الممثل قريبًا منك، تصبح السياسة خدمة حقيقية لك ولمجتمعك، وتستعيد الانتخابات معناها الحقيقي.
الفدرالية تعني أيضًا أن أموالك تُستثمر لخدمتك أنت ومجتمعك مباشرة. اليوم تدفع ضرائب ورسومًا كثيرة، لكنك لا ترى مقابلها شيئًا ملموسًا. الطرق متهالكة وخطِرة، الكهرباء شبه معدومة، المياه غير صالحة للشرب، والخدمات العامة مهينة لك. مع الفدرالية، تُستثمر أموالك محليًا، فتُستخدم لإصلاح الطرق وتحسين السلامة المرورية، وتأمين كهرباء مستقرة، وتوفير مياه نظيفة وصحية، ومعالجة النفايات والحد من التلوث، ودعم المدارس والمستشفيات، لتحصل أنت وعائلتك على حياة أكثر أمانًا وصحة وكرامة.
من أهم فوائد الفدرالية خلق فرص عمل حقيقية وقريبة من منزلك. عندما تدير السلطات المحلية الاقتصاد، يصبح دعم المؤسسات الصغيرة، والزراعة، والصناعة، والسياحة أولوية فعلية. التوظيف يقوم على كفاءتك وقدرتك، وليس على الولاءات السياسية أو المحسوبيات الطائفية. ومع توفر فرص العمل المحلية والأجور العادلة، سيتمكن بناتك وأبناؤك من البقاء في قراهم وبناء مستقبلهم هناك، بدل الانتقال داخليًا إلى المدن أو الهجرة القسرية وترك أرضهم وأهلهم بحثًا عن حياة كريمة في الخارج.
الفدرالية تحمي أموالك وتحد من الفساد المالي. عندما تُتخذ القرارات المالية بالقرب منك، يصبح الفساد أصعب إخفاءً. تُجبر المصارف والمؤسسات المالية على تمويل مشاريع حقيقية تخدم حياتك اليومية ومجتمعك، بدلاً من تمويل الحكومة المركزية ونفقاتها الفاسدة والمشبوهة، مثل تحسين الكهرباء، البنى التحتية، شبكات المياه، حماية البيئة، وإنشاء طرق أفضل وأكثر أمانًا. كما تتيح الفدرالية تنفيذ مشاريع محلية أكثر استدامة وانتاجية، ما يجعل استثمار أموالك وأموال مجتمعك أكثر فعالية وكفاءة، ويضمن ألا تضيع هذه الأموال في شبكات الفساد والحماية السياسية. مدخراتك، وضمانك الاجتماعي، ومعاشك التقاعدي ستكون محمية وسهلة الوصول إليها، بعيدًا عن أي انهيار مالي يهدد مستقبل عائلتك.
في مجال الصحة والخدمات الاجتماعية، ستتمكن من تحسين المستشفيات المحلية، والحصول على تغطية صحية أفضل، وتأمين حياة أكثر أمانًا لأطفالك وكبار السن في عائلتك. في التعليم، ستضمن لأطفالك مدارس وجامعات أفضل، وبرامج تدريب مهني تؤهلهم لسوق العمل المحلي، مما يزيد فرصهم للبقاء في وطنهم وبناء مستقبلهم هنا.
أما على صعيد الأمن، فالفدرالية لا تضعف الدولة ولا تخلق الفوضى. سيبقى الجيش اللبناني مسؤولًا عن حماية الحدود والسيادة الوطنية، بينما تتولى القوات الأمنية المحلية أو الحرس الوطني حماية المدن والبلدات. سيكون للجيش الفدرالي والحرس الوطني نفس المدارس العسكرية، وبرامج التدريب، والمنهجيات، والإمدادات، واللوجستيات، والتكتيكات، والعقيدة العسكرية التي توحد المبادئ والأسس للعمل، مع روح الزمالة بين العناصر. هذا يضمن لك ولأولادك بيئة آمنة، وطريقًا واضحًا للازدهار الاقتصادي من دون خوف.
وفي مجال القضاء، ستستفيد من عدالة أسرع وأكثر فعالية. تصبح المحاكم أقرب إليك، أقل تسييسًا وأكثر كفاءة. ومع قيام العدالة بدورها الصحيح، تُصان حقوقك وملكياتك، تُحمى وتُحترم عقودك، ويستعيد المستثمرون ثقتهم، سواء كانوا محليين، أجانب، أو لبنانيين مغتربين يعيشون ويعملون في الخارج. قضاء فعّال يعني لك دولة محترمة، واقتصادًا ينمو ويشجع الاستثمار، ويتيح لك ولعائلتك العيش بأمان وطمأنينة.
وأخيرًا، الفدرالية تساعدك على حماية أرضك ووجودك ونمط حياتك. ستتمكن مجتمعاتك المحلية من تنظيم بيع الأراضي، التخطيط العمراني، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي غير المنضبط. هذا ليس إقصاءً للآخرين، بل حفاظ على جذورك، وهويتك، ومستقبل أولادك.
بكلمات بسيطة، الفدرالية تعني خدمات أفضل، محاسبة حقيقية، أمنًا وعدالة، فرص عمل لأبنائك، تعليمًا وصحة محسّنة، وحماية لهويتك وأرضك ومستقبلك. بالنسبة لك، كمسيحي لبناني، الفدرالية ليست مجرد فكرة سياسية، بل وسيلة عملية وسلمية للعيش بكرامة في وطنك، ولضمان أن يبقى لبنان بيتًا لك ولأولادك، لا مجرد ذكرى.
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ
لقراءة المقالات السابقة إضغط على الروابط التالية:
الفدرالية "الإتنو جغرافية": مبادئ حكم وحوكمة
الفدرالية: ضرورة تاريخية لإخراج لبنان من الحفرة
لبنان بحاجة لقيادات تُعيد تشكيله قبل الانهيار