مع استمرار "التعتيم" الذي فرضته طهران وعزلت فيه البلاد عن العالم الخارجي لتتفرّغ لإجهاض التظاهرات الحاشدة المطالبة بإسقاط النظام، بوحشية، وعشية الاجتماع المتوقع عقده اليوم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه للأمن القومي لبحث كيفية تنفيذ تعهّد ترامب بالتدخل لمصلحة الثوّار، بعدما أطلق النظام العنان لآلة القتل التي حصدت مئات الأرواح بالحدّ الأدنى حتى الآن، يُحاول الملالي الهروب إلى الأمام عبر العودة إلى طاولة المفاوضات مع أميركا، الأمر الذي قد يقيهم شرّ ضربة أميركية ويرفع بعض العقوبات عنهم لكسر الجمود الاقتصادي وتهدئة الشارع.
غير أن ترامب، ورغم تأكيده أن طهران تواصلت مع واشنطن لاقتراح إجراء محادثات وأنه يجري ترتيب اجتماع بين الطرفين، حذر من أنه "قد نضطر إلى التحرّك" بسبب ما يحدث قبل عقد اجتماع، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تبقي قنوات الاتصال مع أميركا مفتوحة، مشدّدًا على أن بلاده مستعدّة للحرب، لكنها منفتحة على الحوار أيضًا. وذكر لاحقًا خلال مقابلة مع قناة "الجزيرة" أن الاتصالات بينه وبين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف "مستمرّة قبل الاحتجاجات وبعدها وما زالت متواصلة".
وحول إمكانية عقد لقاء بينه وبين ويتكوف، أشار عراقجي إلى أن "هناك أفكارًا مطروحة تتمّ دراستها". لكنه اعتبر أنه "لا نعتقد أن واشنطن جاهزة لتفاوض منصف وعادل وحين تصبح جاهزة سندرس الأمر بجدّية"، مشيرًا إلى أن "أميركا وإسرائيل تسعيان عبر الاضطرابات للوصول إلى ما لم تحققاه بالحرب"، في حين أفاد موقع "أكسيوس" بأن ويتكوف وعراقجي ناقشا احتمال عقد اجتماع خلال الأيام المقبلة.
في المقابل، أكد البيت الأبيض أن "ما تسمعونه علنًا من النظام الإيراني يختلف تمامًا عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة بشكل خاص، وأعتقد أن الرئيس (ترامب) مهتمّ باستكشاف تلك الرسائل"، حاسمًا أن ترامب يفضل عمومًا الحلول الدبلوماسية، لكنه يبقى منفتحًا دائمًا على استخدام القوّة العسكرية. ولفت إلى أن "الحقيقة هي أنه في ما يتعلّق بإيران، لا أحد يعرف ما الذي سيفعله الرئيس ترامب سوى الرئيس ترامب نفسه. ويمكن للعالم أن يواصل الانتظار والتخمين".
وأوضح البيت الأبيض أن ويتكوف "لا يزال وسيستمرّ" في أن يكون لاعبًا رئيسيًا في المحادثات الدبلوماسية مع إيران، بينما كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن البيت الأبيض يدرس عرضًا إيرانيًا في اللحظة الأخيرة للانخراط في مسار دبلوماسي يهدف إلى كبح برنامجها النووي، في وقت يميل فيه ترامب حاليًا إلى تفويض ضربات عسكرية جديدة ضدّ إيران. وكشف مسؤولون أميركيون أن بعض كبار مساعدي الإدارة، بقيادة نائب الرئيس جاي دي فانس، يحضون ترامب على تجربة الدبلوماسية قبل الردّ على إيران بسبب قتلها متظاهرين.
وبحسب المسؤولين، لم يتخذ ترامب قرارًا نهائيًا بعد في شأن ما سيفعله. وأوضح مسؤولون أن ترامب يفضل حاليًا مهاجمة إيران، لكنه قد يغيّر رأيه تبعًا للتطوّرات داخل البلاد والنقاشات مع مساعديه. وأضاف بعض المسؤولين أن ترامب قد يوجّه ضربة أوّلًا ثمّ يسعى لاحقًا إلى محادثات جادّة مع طهران. ووفقًا لشخص مطّلع على طريقة تفكيره، فإن فانس، رغم تحفظه عمومًا إزاء الانخراط في النزاعات، لا يزال منفتحًا على توجيه ضربة إلى إيران، باعتبارها تشكّل تهديدًا للولايات المتحدة. واعتبر مسؤولون أيضًا أن على ترامب أن يفي بتهديداته المتكرّرة بمهاجمة إيران بسبب إلحاقها الأذى بالمتظاهرين، وإلّا فإنه يخاطر بتكبّد ضرر في سمعته.
في الغضون، حذر المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، السياسيين الأميركيين، من "مواصلة خداعهم" وعدم الاعتماد على ما وصفه بـ "المرتزقة الخونة"، معربًا عن شكره الإيرانيين الذين شاركوا في التظاهرات المؤيدة للنظام أمس التي شارك فيها كبار مسؤولي الحكم، معتبرًا أنه "لقد قام الشعب بعمل رائع... لقد كان يومًا تاريخيًا... لقد أبطلت هذه التجمّعات خطة الأعداء الأجانب التي كان من المقرر أن ينفذها المرتزقة في الداخل". وزعم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أمام حشد في طهران، بأن البلاد تخوض "حربًا ضد الإرهابيين".
كذلك، أكد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن "القوات المسلّحة أعدّت خططها للردّ على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي محتمل"، متوعّدًا بأن "ردّنا على أي هجوم محتمل سيكون موجعًا"، في حين أجرى لاريجاني محادثات هاتفية مع أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، الذي ندّد بما وصفه بأنه محاولة جديدة من قوى أجنبية للتدخل في شؤون إيران الداخلية، معربًا عن استعداده لتطوير التعاون على أساس معاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين.
وعبّرت الصين عن أملها في أن تتمكّن الحكومة والشعب في إيران من تجاوز الصعوبات الراهنة والحفاظ على استقرار البلاد، حاسمة أنه "نعارض دومًا التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى". وحذرت تركيا من أن أي تدخل أجنبي في إيران سيؤدي إلى تفاقم الأزمات في البلاد والمنطقة، داعية إلى مفاوضات أميركية - إيرانية لحلّ المشكلات القائمة. وتوعّدت ميليشيا "كتائب حزب اللّه" العراقية بأن "الحرب ضد إيران ليست نزهة، بل نارًا إذا اشتعلت فلن تنطفئ حتى تُلصق أنوفكم بالتراب".
وعلّق ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي على احتمال عقد مفاوضات أميركية - إيرانية، معتبرًا أن "النظام ضعيف ويترنح، الشعب مستعدّ لإسقاطه، لا يحتاجون إلى قوات على الأرض، كلّ ما يحتاجونه هو تحرّك قائد العالم الحر، إن التفاوض مع هذا النظام الإجراميّ الذي لا يزال يهدّد أميركا والرئيس لن يجلب السلام، لكن التحرّك الفوري لدعم هؤلاء المتظاهرين الشجعان سينقذ آلاف الأرواح ويجلب سلامًا دائمًا إلى المنطقة". ورأى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام أن تعليق بهلوي منطقيّ، مؤكدًا أنه "نحن على أعتاب أكبر تغيير في الشرق الأوسط منذ 1000 عام، يجب أن نبقى أقوياء ونمضي حتى النهاية".
في الأثناء، أفادت وكالة "هرانا" بأنها تأكدت من مقتل 572 شخصًا، منهم 503 متظاهرين و 69 من قوات الأمن، واعتقال حوالى 10694 شخصًا منذ بدء الاحتجاجات. وكشفت منظمة "نت بلوكس" أن انقطاع الإنترنت في إيران تجاوز الـ 96 ساعة، موضحة أن "الإنترنت عبر الخطوط الثابتة وبيانات الهاتف المحمول والمكالمات معطلة، كما يتم بشكل متزايد استهداف وسائل اتصال أخرى أيضًا". وبعدما ذكر ترامب أنه سيتحدث مع الملياردير الأميركي إيلون ماسك في شأن إعادة الإنترنت في إيران عبر خدمة "ستارلينك" بالأقمار الاصطناعية، أفاد موقع "إيران واير" بأن قوات الأمن الإيرانية تشدّد حملتها على استخدام خدمة "ستارلينك" في البلاد، حيث تنفذ مداهمات للمنازل وتعتقل أشخاصًا يُشتبه في حيازتهم معدّات اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية.
أوروبيًا، أعلنت رئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا أنه "بينما يواصل الشعب الإيراني الشجاع الوقوف من أجل حقوقه وحريته، اتخذت قرارًا بحظر جميع أفراد الطاقم الدبلوماسي وأي ممثلين آخرين للجمهورية الإسلامية الإيرانية من كافة مقار البرلمان الأوروبي"، حاسمة أنه لن نساهم في إضفاء الشرعية على هذا النظام الذي حافظ على بقائه من خلال التعذيب والقمع والقتل. وشدّدت على أنه "لا يمكن أن يستمرّ العمل كالمعتاد". وجزم الناطق باسم الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي أنور العنوني بأنه "نحن مستعدّون لاقتراح عقوبات جديدة وأكثر صرامة (على إيران)، عقب القمع العنيف للمتظاهرين". وذكرت الحكومة الألمانية أنها تؤيّد إدراج "الحرس الثوري" الإيراني تحت نظام العقوبات الأوروبي لمكافحة الإرهاب.
إلى ذلك، استدعت الخارجية الإيرانية سفراء بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا في طهران، مطالبة إيّاهم بإبلاغ حكوماتهم بطلب إيران سحب دعمهم الاحتجاجات. وجزمت بأن إيران تعدّ أيّ دعم سياسي أو إعلامي للاحتجاجات "تدخلًا غير مقبول في الأمن الداخلي للبلاد"، في وقت كشفت فيه وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أنها تحدثت مع عراقجي وأكدت له ضرورة "إنهاء العنف فورًا"، معتبرة أن "القتل والقمع الوحشي للمتظاهرين السلميين في إيران أمر مروّع". بالتوازي، هدّد عراقجي بإخلاء سفارة بلاده في لندن، بعدما شوهد متظاهر في السفارة خلال عطلة نهاية الأسبوع يقوم بسحب العلم الإيراني من على مبنى السفارة ورفع علم إيران ما قبل الثورة الإسلامية.