مع دخولنا الأيام الأولى من عام 2026، لم تعد مسألة سقوط النظام الإيراني مجرد تكهنات سياسية أو أماني للمعارضة، بل تحوّلت إلى حتمية استراتيجية تفرضها لغة الأرقام وحقائق الجغرافيا السياسية. إن ما تشهده طهران اليوم ليس مجرد موجة احتجاجية عابرة كتلك التي شهدناها في عامَي 2009 و 2022، بل هو انهيار منظومة شامل (Systemic Collapse) تلاقت فيه ثلاثة كوارث وجودية في لحظة تاريخية واحدة، ما جعل بقاء النظام مستحيلاً من الناحية البراغماتية.
أولاً: الموت السريري لـ"اقتصاد المقاومة"
لطالما راهن النظام على اقتصاد المقاومة والتهريب للالتفاف على العقوبات، لكن هذا الشريان قُطع نهائياً مع سقوط نظام مادورو في فنزويلا مطلع هذا الشهر. إن اعتقال مادورو ومصادرة الأسطول الشبح (مثل الناقلة بيلا 1) من قبل الولايات المتحدة لم يوقف تدفّق النفط فحسب، بل كشف شبكات غسيل الأموال التابعة للحرس الثوري. وكانت النتيجة فورية وقاتلة: انهيار الريال الإيراني ليتجاوز حاجز 1.45 مليون ريال للدولار، وتضخّم جنوني في أسعار الغذاء تجاوز 72% فتحوّل الاقتصاد الإيراني إلى جثّة هامدة تحت وطأة آلية «سناب باك» (Snapback) الأممية التي أعادت العقوبات الدولية المُلزِمة، ما جرّد طهران من أي غطاء دبلوماسي روسي أو صيني.
ثانيًا: تعرية "العمق الاستراتيجي" والانكشاف الجيوسياسي
لقد فقدت طهران درعها الواقي خارج الحدود. فسقوط نظام الأسد في دمشق أواخر عام 2024 قطع الجسر البرّي إلى المتوسط، وحوّل "محور المقاومة" إلى جزر معزولة. ثم جاءت حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في شهر حزيران 2025 لتكسر هيبة الردع الإيراني وتدمّر البنية التحتية النووية، كاشفةً عن عجز عسكري مُذلّ أمام القواعد الشعبية للنظام. اليوم، تقف طهران وحيدة، عارية من حلفائها، وتواجه استراتيجية الضغط الأقصى من إدارة ترامب التي لا تتردّد في التلويح بالخيار العسكري المباشر.
ثالثًا: تصدّع القبضة الأمنية
لأول مرة منذ عام 1979، نشهد شرخاً واضحاً في احتكار الدولة للعنف. تؤكّد التقارير الاستخباراتية وجود تململ، وربما عصيان، داخل صفوف الجيش النظامي (آرتِش) الذي يرفض قمع المتظاهرين، في مواجهة الحرس الثوري المُنهك والمُشتّت بين حماية الحدود وقمع الداخل. إن تعيين أحمد وحيدي نائباً لقائد الحرس الثوري هو محاولة يائسة لترميم الصفوف، لكن الأوان قد فات. القوات الأمنية مستنزفة، والشوارع تغلي في أكثر من 250 نقطة اشتباك، وشعار "المرأة، الحياة، الحرية" عاد ليمتزج بصرخات الجياع في تحالف غير مسبوق بين الطبقة الوسطى والفقراء.
إن النظام الإيراني في مطلع عام 2026 يشبه مريضًا في غرفة الإنعاش توقّفت أجهزته الحيوية دفعة واحدة: الإفلاس المالي، العزلة الدولية، الشلل القيادي، والتفكّك الأمني. إنها ليست مسألة "هل" سيسقط النظام، بل "متى" وكيف ستكون النهاية، حيث تشير كل الدلائل إلى أننا أمام الفصل الأخير من تراجيديا الجمهورية الإسلامية.