ترامب يرفع منسوب الغموض حول إيران... والمنطقة تحبس أنفاسها

7 دقائق للقراءة

تحبس المنطقة برمّتها أنفاسها مع ترقبها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إيران واحتمال توجيهه ضربة للنظام الإيراني، وشكّلت مثل هذه الخطوة وحجمها وتداعياتها، ردًّا على قمع الملالي الدموي ثورةَ الإيرانيين الساعين إلى إطاحة نظام الجمهورية الإسلامية. وبعد الرسائل الإيرانية "التهديدية" التي توعّدت خلالها طهران باستهداف القواعد الأميركية بالمنطقة في حال تعرّضت لهجوم عسكري أميركي، شرعت الولايات المتحدة بسحب بعض الأفراد من قواعدها الرئيسية في الشرق الأوسط. ورغم "غيوم الحرب" التي تلبّدت فوق سماء إيران أمس، إلّا أن ترامب رفع منسوب الغموض في ما يتعلّق بالخطوات التي قد يتخذها تجاه إيران عندما كشف أنه أُبلغ بأن "القتل يتوقف في إيران. وقد توقف". كما عبّر عن اعتقاده أنه لا توجد حاليًا أيّ خطة لتنفيذ عمليات إعدام، معتبرًا أنه سنكتشف ذلك، وإن حصلت، فسنكون مستائين للغاية، في وقت طالب فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ترامب، خلال مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" الأميركية، باللجوء إلى الدبلوماسية وعدم تكرار الأخطاء السابقة.

أوضحت قطر أن إجراءات سحب القوات من قاعدة العُديد الجوية، أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، تُتخذ في ظلّ التوترات التي تشهدها المنطقة ولضمان أمن وسلامة المواطنين والمقيمين. وأفادت صحيفة "آي بيبر" بأن بعض أفراد القوات العسكرية البريطانية يجري سحبهم من قاعدة العُديد، فيما دعت أميركا رعاياها إلى مغادرة إيران، في التحذير الثالث خلال خمسة أيام، وحذت إيطاليا وبولندا حذوها. بالتوازي، أكّد الجيش الإسرائيلي استعداده لأي تطوّر، في حين ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن تل أبيب تقدّر أن واشنطن ستنفذ هجومًا على إيران خلال الأيام القليلة المقبلة. وأعلن رئيس بلدية ديمونا الإسرائيلية بني بيتون فتح الملاجئ. وكشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن شركة طيران "لوفتهانزا" الألمانية دعت موظفيها إلى الاستعداد لمغادرة إسرائيل بدءًا باليوم. ورست عشرات السفن التجارية على مسافة خارج حدود الموانئ الإيرانية في الأيام القليلة الماضية، وفق "رويترز".

وأفاد مسؤولان أوروبيان لوكالة "رويترز" بأن التدخل العسكري الأميركي بات مرجّحًا، وأوضح أحدهما أنه قد يحدث خلال الـ 24 ساعة المقبلة، كما أكد مسؤول إسرائيلي أن ترامب اتخذ على ما يبدو قرارًا بالتدخل، إلّا أن نطاقه وتوقيته لم يتضحا بعد. واعتبر مسؤول عسكري غربي أن كافة الدلائل تشير إلى أن "الهجوم الأميركي وشيك، لكن هذا أيضًا هو أسلوب هذه الإدارة لإبقاء الجميع في حالة تأهب، إن عدم القدرة على التنبّؤ جزء من الاستراتيجية". ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية عن مسؤولين أوروبيين أن أميركا طلبت من دول أوروبّية مشاركة معلومات حول أهداف محتملة داخل إيران. وعرض البنتاغون على ترامب مجموعة واسعة من الخيارات، تشمل ضرب البرنامج النووي الإيراني ومواقع الصواريخ الباليستية، كما تتضمّن شن هجوم سيبراني أو توجيه ضربات ضدّ الأجهزة المسؤولة عن حملات القمع، بحسب تقارير.

وحول تهديد طهران، أفاد مسؤول إيراني كبير لـ "رويترز" بأن بلاده طلبت من حلفاء واشنطن في المنطقة "منع واشنطن من مهاجمة إيران"، موضحًا أن "طهران أبلغت دول المنطقة، من السعودية والإمارات إلى تركيا، أن القواعد الأميركية في تلك الدول ستتعرّض للهجوم" إذا استهدفت أميركا إيران. وكشف دبلوماسي عربي من دول الخليج مقيم في القاهرة لوكالة "أسوشييتد برس" أن حكومات رئيسية في الشرق الأوسط تثني إدارة ترامب عن شن حرب على إيران، محذرة من "عواقب غير مسبوقة"، ومن الانزلاق إلى "حرب شاملة". وتفيد تقارير استخباراتية أميركية حديثة بأن إيران تُعدّ خيارات لاستهداف قواعد أميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك القواعد الموجودة في العراق وسوريا، في حال أقدم ترامب على تنفيذ ضربات عسكرية، وفق "سي أن أن". وكان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قد تحدّث إلى وزير خارجية قطر الثلثاء، كما أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثات مع نظيريه الإماراتي والتركي.

في الأثناء، أكدت وكالة "هرانا" أنها تحققت حتى الآن من مقتل 2403 متظاهرين و 147 شخصًا تابعين للحكومة واعتقال 18137 شخصًا حتى الآن، علمًا أن تقارير أخرى تفيد بسقوط أعداد ضخمة من القتلى قد تصل إلى 20 ألف قتيل. وخلال زيارته سجنًا في طهران حيث يحتجز المعتقلون، تعهّد رئيس السلطة القضائية في إيران غلام حسين محسني إجئي بإجراء محاكمات "سريعة وعلنية" للمعتقلين، موضحًا أنه أمضى خمس ساعات في أحد سجون طهران يراجع الحالات. ورغم تهديد ترامب الملالي بضربة موجعة في حال بدأوا بإعدام المتظاهرين، أفادت منظمة "هنغاو" الحقوقية بأن رجلًا إيرانيًا يبلغ من العمر 26 عامًا، يُدعى عرفان سلطاني، كان من المقرّر إعدامه أمس، موضحة أن "الحكومة الإيرانية قالت إنه اعتُقل بسبب الاحتجاج". وذكرت عائلته لشبكة "سي بي أس نيوز" أنها لم تتمكّن من تأكيد ما إذا كان سلطاني قد أُعدم بالفعل. وأكدت "هنغاو" أن سلطاني اعتُقل في 9 كانون الثاني، مشيرة إلى أنه جرى "حرمانه من كافة حقوقه الأساسية في التواصل مع عائلته والحصول على محامٍ"، وبعد أربعة أيام، "تلقت العائلة معلومات تفيد بأن ابنها صدر بحقه حكم بالإعدام، من دون إعلان ماهية التهم أو متى جرت المحاكمة".

وبعدما دخلت إيران أمس اليوم السابع من انقطاع الإنترنت الذي فرضه النظام لإخفاء حجم جرائمه، ذكر "الحرس الثوري" أن المؤسّسات المعنية ستتخذ القرار النهائي في شأن الوصول إلى الإنترنت "خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين"، مدّعيًا أن الوصول غير المقيّد للإنترنت يزيد أعمال العنف في الشوارع، في وقت تدرس فيه فرنسا إمكانية إرسال أجهزة تابعة لشركة "أوتيلسات" إلى إيران لتمكين المواطنين من الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، حسب الخارجية الفرنسية.

ووسط التعتيم، يتوحّش النظام على معارضيه ويتصرّف معهم على أنهم "أعداء" يستحقون الموت، فقد أفادت قناة "إيران إنترناشيونال" بأن "قوات ترتدي الزيّ المدني تابعة للنظام وعناصر من "الحرس الثوري" شنت هجمات على منازل قتلى الاحتجاجات وجيرانهم في مناطق في شرق طهران"، مشيرة إلى أنه طُلب من أهالي الضحايا المراجعة في الساعات الأولى من الفجر لتسلّم جثامين ذويهم، مع إلزامهم بإجراء مراسم الدفن بشكل فرديّ قبل الساعة الرابعة صباحًا وإلّا فسيتمّ دفنهم في قبور جماعية تحت التهديد. وذكرت أن السلطات الأمنية أبلغت العائلة بوجوب دفع مبلغ 250 مليون تومان مقابل كلّ رصاصة أُطلقت على الضحايا، مؤكّدة فرض أجواء تشبه الحكم العسكري في البلاد.

في الغضون، أفادت "رويترز" بأن جماعات كردية انفصالية مسلّحة سعت إلى عبور الحدود من العراق إلى إيران، مشيرة إلى أن الاستخبارات التركية حذرت "الحرس الثوري" من عبور مقاتلين كرد الحدود في الأيام القليلة الماضية. وذكر مسؤول إيراني أن المقاتلين أُرسلوا من العراق وتركيا، وأن طهران طلبت من هاتين الدولتين وقف أي نقل للمقاتلين أو الأسلحة إلى إيران، لافتًا إلى أن "الحرس الثوري" اشتبك مع المقاتلين الكرد، الذين قال إنهم يسعون إلى زعزعة الاستقرار واستغلال الاحتجاجات.

وفي العاصمة، احتشد عشرات الآلاف من المشيّعين الذين كانوا يرتدون في معظمهم اللون الأسود، في الشوارع القريبة من جامعة طهران، للمشاركة في جنازة جماعية لأفراد من قوات الأمن ومدنيين، وحمل بعضهم لافتات تتوعّد باغتيال ترامب. وتعهّد قائد "الحرس الثوري" محمد باكبور بأن البلاد ستقدّم "ردًّا حاسمًا" على مقتل "شهداء إيران وحماة الأمن"، متوعّدًا أميركا وإسرائيل بأنهما ستتلقيان الردّ "في الوقت المناسب". واعتبر مستشار المرشد الأعلى علي شمخاني أنه "من الأفضل للرئيس الأميركي أن يتذكر تدمير قاعدة العُديد بصواريخ إيرانية، فذلك سيسهم قطعًا في إرساء فهم واقعيّ لإرادة إيران وقدرتها على الردّ على أيّ اعتداء".

دوليًا، أبدى وزراء خارجية "مجموعة السبع" استعدادهم لفرض إجراءات تقييدية إضافية على إيران إذا استمرّت في قمع الاحتجاجات، مستنكرين "استخدام العنف المتعمّد وقتل المتظاهرين والاعتقال التعسّفي وأساليب الترهيب التي تمارسها قوات الأمن بحق المتظاهرين". كذلك، توقعت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا أن "عام 2026 هو الوقت الذي تنتهي فيه الديكتاتوريات"، معتبرة أنها لحظة ذهبية لأوروبا لكي تعلن أن النظام الإيراني في طريقه إلى النهاية.