للمرة الأولى منذ زمن غير قريب، هناك فراغ حاملات في مسرح الخليج. الـUSS Abraham Lincoln بعيدة في بحر الصين الجنوبي، فيما الـUSS Gerald R. Ford، عملاق القوة البحرية الأميركية، مرتبطة بالكاريبي ضمن ضغطٍ متصاعد على فنزويلا. ومن دون مجموعة ضاربة لحاملة طائرات (CSG) تؤمّن طلعات جوية مستدامة، تصبح حملة قصف طويلة أو حرب جوية ممتدة أمراً بالغ الصعوبة لوجستياً في النافذة القريبة. بعبارة أخرى: واشنطن لا تبدو متموضعة لحرب ممنهجة، بل لسيناريو جراحي أكثر مراوغة، وأقل كلفة ميدانية.
هذا لا يعني أن السماء ستبقى صافية. فالإخلاء الجزئي للأفراد وبعض الأصول عالية القيمة، مثل طائرات التزويد KC-135، من قاعدة العديد في قطر إلى السعودية، هو المؤشر التكتيكي الأبرز لهذا الأسبوع. إنها مناورة دفاعية بامتياز: لا تقول إن الضربة وقعت، لكنها تقول إن البنتاغون يتحسّب لليلة إيرانية مضادّة.
في قصور الخليج، المزاج ليس مزاج ارتياح بقدر ما هو رعب حقيقي؛ فالسعودية وقطر تتحركان عبر قنوات خلفية محمومة، وتضغطان على واشنطن لمنع الضربة. فحرب واحدة قد تسحق ثقة المستثمرين. وفي المقابل، في تل أبيب، ارتفعت الجهوزية إلى أعلى مستوياتها؛ إذ تُقرأ الفوضى الإيرانية الداخلية كفرصة تاريخية لقطع رأس الأخطبوط بينما تتآكل أذرعه في الإقليم، من حزب الله إلى حماس.
هنا يدخل ترامب من باب الحسم السريع لا الاستنزاف. فالعقيدة التي استمدّت جرأتها من نموذج الصدمة في ملفات سابقة، تميل إلى ضربة عالية التأثير، منخفضة الكلفة الميدانية، تُربك مركز القرار وتعيد تشكيل ميزان الردع من دون احتلال أو حرب طويلة. ومن هذا المنظور، فإن غياب حاملات الطائرات لا يعني استحالة الضربة، بل يعني تبدّل نوعها: من عملية حربية شبه شاملة إلى عقاب هجين سيبراني–مهماتي عملياتي، حيث تُدار المعركة بيدٍ خفيفة لكن بمخالب حادة.
في هذا السيناريو، لا تُستهدف إيران بوصفها دولة، بل يُستهدف النظام بوصفه شبكة أعصاب. وعليه، تتركّز قائمة الأهداف على مجموعاتٍ وجودية يُراد منها كسر قدرة المنظومة على الصمود أمام الانتفاضة الشعبية الداخلية:
أولاً، شبكة قيادة القمع: الهدف المركزي هو مقرّ “ثار الله” في طهران، العقدة التي تُنسّق عملية القمع وتربط الدائرة الضيقة بالمنفّذين في الشارع. شلّ هذه العقدة لا يُسقط النظام آلياً، لكنه يقطع السلسلة بين الرأس والذراع، ويزرع التردد والارتباك داخل الأجهزة.
ثانياً، صمّام الأمان النووي: لمنع عدوّ محاصر من الهروب إلى الأمام عبر سلاح نووي، تُطرح ضربة على مواقع يُنظر إليها كحلقة في مسار التسلّح، مثل Taleghan-2، إضافة إلى منشآت شديدة التحصين من طراز Pickaxe Mountain، باستخدام ذخائر خارقة للتحصينات، لا لإدارة حرب نووية، بل لمنعها من أن تصبح خياراً يائساً في لحظة سقوط.
ثالثاً، الستار الحديدي الرقمي: في معركة تُحسم بالصورة بقدر ما تُحسم بالصواريخ، يصبح الإنترنت ساحة وجودية. لذا يتقدّم هدف ضرب منظومات الحرب الإلكترونية المسؤولة عن التشويش على الاتصالات، ومنها أدوات تعطيل إشارات مثل "ستارلينك" إلى جانب بوابات البيانات الأساسية للإنترنت الإيراني، لدفع النظام إلى خيارين أحلاهما مرّ: إمّا عتمة اقتصادية شاملة، وإمّا عودة اتصال غير خاضع للرقابة يفتح المجال أمام الشارع كي يتنفس ويُنظّم ويكسر احتكار الرواية.
رابعاً، محطات الصواريخ الباليستية: لأن الردع الإيراني التقليدي يقوم على الصواريخ، ولأن منظومة الطائرات لدى النظام معدومة، تظهر محطات إطلاق الصواريخ الباليستية كهدفٍ رابع، لتخفيض سرعة الردّ وإلغاء مفاعيله على دول الجوار وعلى إسرائيل.
من هذا المنطلق، ليست الضربة المتوقعة حرباً بقدر ما هي رهان محسوب: استخدام القوة الأميركية الدقيقة لصناعة الصدمة الاستراتيجية التي تحتاجها ثورة كي تتقدّم خطوة، مع قبول مخاطرة الردّ غير المتكافئ عبر الإقليم. هنا تحديداً تكمن لعبة ترامب: أن يضرب بما يكفي ليُربك، لكن لا يضرب بما يكفي ليُستدرج إلى مستنقع. دون أن ننسى الخنق الاقتصادي الذي يظل الأداة المفضلة: ضغط العقوبات وتضييق الحلقات التجارية، كأن واشنطن تقول: "إن لم نُسقط النظام بالقصف، سنستنزله حتى العظم."
السلاح مُلقّم والأمان مرفوع. ما نراه ليس استعداداً لاجتياح، بل استعداداً لضربة جراحية مركّبة، سيبرانية وصاروخية، تستهدف أعصاب النظام لا جغرافيا الدولة. السؤال لم يعد: هل لدى ترامب القدرة على الضرب؟ بل: هل يملك الشهية لتحمّل ارتدادات الضربة في سوق النفط، وسماء الخليج، وحدود إسرائيل، وفي داخل إيران نفسها، وربما حتى في طرقات بغداد وبيروت؟