مع انقشاع غبار الاحتجاجات في إيران إثر حملة القمع الدموية الواسعة التي انتهجها الملالي بحق المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام، ما زال يتكشف حجم المجازر والانتهاكات الجسيمة المرتكبة من قبل النظام الظلامي، فيما حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن "التعرّض للقائد الأعلى لبلادنا يُعد بمثابة حرب شاملة ضد الشعب الإيراني"، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال مقابلة مع صحيفة "بوليتيكو" إلى إنهاء حكم المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، حاسمًا أنه "حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران". وادعى بزشكيان أنه في حال وجود صعوبات أو معاناة في حياة الشعب الإيراني، فإن أحد العوامل الرئيسية في ذلك هو "العداء القديم والعقوبات غیر الإنسانية التي تفرضها الإدارة الأميركية وحلفاؤها".
توازيًا، اعتبر المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أصغر جهانغير أن "الأفعال التي شهدناها في هذه الأيام تُعدّ جرائم"، متوعدًا بملاحقة المتورطين بسرعة والحكم عليهم. ورأى أن "هناك سلسلة من الأفعال تُصنف على أنها حرابة، وهي من أشدّ العقوبات في الشريعة الإسلامية"، موضحًا أنه "إذا قام أي شخص بالتعاون مع العدو بأي شكل من الأشكال، أو بالترويج لمصلحة العدو، أو بتغيير الأجواء لمصلحته، من الواضح ما هي عقوبة من يتعاونون مع أعدائنا اللدودين". وحسب قانون العقوبات في نظام الجمهورية الإسلامية، فإن تهمة "الحرابة" قد تؤدي إلى تنفيذ حكم الإعدام.
في السياق، كشفت منظمة "هنغاو" الحقوقية أن عرفان سلطاني، المتظاهر الإيراني البالغ من العمر 26 عامًا، والذي برزت مخاوف من إعدامه الأسبوع الماضي، تلقى زيارة من عائلته أمس، موضحة أن "حتى الزيارة القصيرة... لم تكن لدى العائلة أي تأكيد مباشر أن عرفان سلطاني لا يزال على قيد الحياة". وذكرت أن عائلته "أكدت أنه لا يزال حيًا حاليًا ويتمتع بحالة جسدية مستقرة"، مشيرة إلى أنه "لم ينفذ حكم الإعدام في التاريخ المُعلن، وبعد حال القلق الواسعة والاستفسارات، نفى مسؤولو الجمهورية الإسلامية لاحقًا أن يكون قد صدر بحقه حكم بالإعدام".
وأفاد مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" بأن السلطات تحققت من مقتل نحو 5000 شخص في الاحتجاجات التي شهدتها إيران، بينهم نحو 500 من أفراد الأمن، مستبعدًا أن يرتفع عدد القتلى النهائي بشكل حاد. واتهم "إرهابيين ومثيري شغب مسلحين" بقتل "الإيرانيين الأبرياء"، مدعيًا أن "إسرائيل وجماعات مسلحة في الخارج" قدمت الدعم والتسليح للذين خرجوا إلى الشوارع. وأوضح أن بعضًا من أعنف الاشتباكات وأكبر عدد من القتلى شهدتها المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال غرب البلاد، علمًا أن الناشطين الإيرانيين المعارضين وجماعات حقوقية يؤكدون أن أجهزة النظام شنت حملة قمع دموية تسبّبت بمقتل الآلاف.
وكشفت وكالة "هرانا" السبت أنها تحققت من مقتل 3308 أشخاص، مع وجود 4382 حالة أخرى قيد المراجعة، موضحة أنها تحققت من القبض على أكثر من 24 ألف شخص. ونقلت صحيفة "صنداي تايمز" تقريرًا أعده أطباء داخل إيران يفيد بمقتل قرابة 16500 متظاهر وإصابة نحو 330 ألفًا خلال الاضطرابات، مشيرة إلى أن الإصابات شملت جروحًا بالرصاص على نطاق واسع وإصابات شديدة بالعين، مع معاناة المئات إلى الآلاف من فقدان البصر الدائم. وذكرت أن بعض المرضى توفوا بسبب نقص الدم، ونقلت عن أحد الجراحين قوله إن قوات الأمن كانت أحيانًا تمنع عمليات نقل الدم.
ووصف شهود لـ "صنداي تايمز" قيام قوات الأمن بإطلاق النار الحي على المحتجين، بما في ذلك طلقات استهدفت رؤوسهم، ونشر قناصة على أسطح المباني، كما تضمّنت الروايات استخدام بنادق كلاشنيكوف ومدافع رشاشة مركبة على مركبات. وذكر التقرير أن العديد من المحتجين الجرحى تجنبوا المستشفيات خوفًا من الاعتقال، في حين أُخذ بعض المرضى المصابين من غرف العمليات من قبل قوات الأمن. وقال شهود إن قوات الأمن أزالت الجثث من الشوارع ونقلتها إلى مدن أخرى، بينما تعرضت العائلات لضغوط لدفع مبالغ كبيرة لاستعادة رفات ذويهم.
وتجاوز قطع الإنترنت في إيران عتبة الـ 240 ساعة أمس، حيث أفادت منظمة "نت بلوكس" بأن مستويات حركة الإنترنت انخفضت بعد استعادة موَقتة وخاضعة لفلترة شديدة لبعض خدمات "غوغل" وخدمات المراسلة في إيران، الأمر الذي مكّن بعض الإيرانيين من تقديم تحديثات توضح مدى خطورة الأزمة على الأرض. وأقدمت شركة "ميتا"، المالكة لمنصة "إنستغرام"، على إخفاء لوائح المتابعين والمتابَعين للحسابات داخل إيران، ردًا على استهداف السلطات الإيرانية لحسابات المستخدمين، وفي خطوة تهدف إلى تعزيز أمنهم الرقمي.
في الأثناء، أجرى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام سلسلة من اللقاءات خلال زيارته إلى إسرائيل، شملت الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس البرلمان أمير أوهانا ومدير جهاز "الموساد" ديفيد برنياع، في وقت عقد فيه نتنياهو مناقشة أمنية محدودة شملت الملف الإيراني بحضور أعضاء الكابينت وقادة عسكريين وأمنيين، من بينهم رئيس أركان الجيش إيال زامير، وبرنياع، ومدير جهاز "الشاباك" ديفيد زيني.