بعد عقدين من قانون العفو الذي أخرج قائد القوات اللبنانية من الاعتقال، يعود مجلس النواب إلى مناقشة قانون عفو عام يهدف، نظريًا، إلى تصحيح خطأ تاريخي ارتكب في حقّ مجموعتين من اللبنانيين: ما يسمى "الموقوفين الإسلاميين"، الذين وبغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي والفكري معهم، ذهبوا بأغلبيتهم العظمى ضحيّة المواجهة مع بطش النظام الأسدي البائد وإرهاب "حزب الله"، خصوصًا في ما عرف لاحقًا بـ "أحداث عبرا". أما المجموعة الثانية فهي المبعدون اللبنانيون إلى إسرائيل، والذين تخلّت الدولة اللبنانية (المحكومة من حلفاء حزب الله) عنهم، فارضة عليهم خيار اللجوء إلى الداخل الإسرائيلي، بعدما هدّدهم نصرالله بذبحهم في فراشهم إبان انسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000. طبعًا التاريخ المزوّر لقضيّة هؤلاء، الموقّع عليه من مدرسة بروباغاندا البعث السوري، لا يذكر أن الدولة اللبنانية الرسمية هي من أسّست "جيش لبنان الحر"، ورعت "تعامله مع الجيش الإسرائيلي"، وكانت تتولى دفع رواتب المقاتلين فيه، فيما الوصاية السورية هي من منعت إيجاد حل عادل لقضيّتهم في مرحلة ما بعد الطائف، أسوة ببقيّة الميليشيات اللبنانية التي "تعاملت" مع كل أجهزة الاستخبارات في العالم.
لسخرية القدر وانعكاسًا لاستمرار إمساك "الثنائي الشيعي" بمجرى الحوادث في لبنان، فإن مقاربة تصحيح هذين الخطأين، والتي تبدو متعثّرة حتى اليوم، أتت ليس كنتيجة طبيعية لسقوط نظام الأسد في سوريا، أو سقوط سطوة "حزب الله" على الدولة اللبنانية، بل كجائزة ترضية على رغبة رئيس المجلس نبيه برّي بإخراج تجار المخدّرات من "بيئته" من السجن. إنها عجيبة لبنانية أخرى: لكي يخرج تجار المخدّرات (خدمة لتكافل "البيئة" حول حزب الله وأمل) يقبل "الثنائي" بالعفو عن "الإسلاميين" و"المبعدين"، أسرى قضيّتين وطنيتين محقّتين!
هذا في الإطار العام. أما في السردية التفصيلية السائدة، فإن طريقة طرح الموضوع، على قاعدة أن "الإسلاميين" هم "قتلة الجيش اللبناني"، وأن "المبعدين" هم "عملاء إسرائيليون"، وأن الغيورين على المصلحة الوطنية العليا ، يسعون لإيجاد مخرج ما برغم ارتكابات هؤلاء، فيه من الوقاحة ما يتجاوز حدود العقل والمنطق. هؤلاء ليسوا ضحايا نظام قمع مزدوج لبناني فقط، بل أن من يجب على الدولة محاكمته هو المعتدي الفعلي في الحالتين، أي ميليشيا "حزب الله" وأركان الدولة العميقة التابعة لها في الأمن والعسكر والقضاء.
لنأخذ "أحداث عبرا" مثالا. لا يوجد عاقل في لبنان، بعد الكم الهائل من الأدلة التي عرضت على الشاشات بالصوت والصورة، إلا ويدرك أن "حزب الله" هو الفاعل الأساسي في القضيّة، وهو الذي بدأ بإطلاق النار، لتوريط الشيخ أحمد الأسير في معركة مع ضباط وعناصر الجيش اللبناني. سؤال بديهي: ما مصلحة الأسير في الاشتباك مع الجيش اللبناني أصلا، وهي معركة يدرك أي كان أنها خاسرة سلفًا، بالمعنى العسكري كما السياسي والشعبي؟ عمليًا، هي كانت معركة بين مجموعتين مسلّحتين (حزب الله فيها هو المعتدي)، دخلت فرقة من الجيش اللبناني فيها، إلى جانب طرف على حساب آخر: العميد شامل روكز، الذي قاد "المعركة" ونُقل عنه أنه "أغلق هاتفه"، لمنع التوصل إلى أي تسوية، هو من ورّط قسمًا من الجيش في المعركة إلى جانب "حزب الله". هذه هي وقائع بديهية لا تحتمل الرأي والرأي الآخر. يكفي الاستماع إلى آراء روكز "العوني" المستميتة في الدفاع عن ميليشيا مذهبية لدى دخوله المعترك السياسي، لفهم طبيعة ما حصل في ذلك اليوم المشؤوم.
هذا في ما حدث ذاك اليوم. أما في المحاكمة، فهناك الفضيحة الكبرى. قاد المحاكمة عميد يدعى منير شحادة، والذي إن استمع أي مواطن إلى آراء العميد المتقاعد على شاشات التلفزة اللبنانية (المولعة بالطائفية والمذهبية وعشق الميليشيا والاستلزام عند الحرس الثوري الإيراني)، يمكنه أوتوماتيكيًا ليس فقط نسف المحاكمة برمتها، بل إعادتها إلى نقطة الصفر، بشكل يكون فيه هو الذي يحاكم إلى جانب الأسير. طبعًا المحاكمة لم تحقّق مع أي فرد من "حزب الله"، من الذين شاركوا بالصوت والصورة في معارك عبرا، حتى باعتبارهم شهود عيان على الحدث. "محاكمة منتصر" لا تصلح في زمن هزم فيها الطرف المعتدي. هذا إن لم نقل – وهذه قناعتنا – ان أي حكم صدر عما يسمى المحكمة العسكرية، وهي المحكمة التي أخرجت في الأونة الأخيرة مسلّحي "حزب الله" في اليوم التالي بكفالة قدرها عشرون دولارًا أميركيًا، لا يساوي الحبر الذي كتب به.
لطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ لبنان بكلمة حق وقانون منصف، ولو كان ثمن ذلك إخراج تجار المخدّرات بعد خفض عقوباتها. لكن أن يرضى القتيل ولا يرضى القاتل، فهذا من مؤشرات أن الزمن الأول لا يزال حاضرًا بدولته العميقة، نوابًا وضباطًا وقضاة. لذا يبقى الرهان اليوم على قيادة الرئيس جوزاف عون لهذه المسألة المعقدة والحساسة، وهو الذي يعرف تفاصيل كل قضيّة على حدة، وهو الذي يجمع بتجربته ما بين حرص عميق وحقيقي على سمعة الجيش اللبناني وحضوره، وما بين معرفة دقيقة بالمظلومية الممنهجة والجماعية التي حلّت بخصوم الممانعة في لبنان. يملك الرئيس ما يكفي من الرصيد المعنوي والشجاعة الأخلاقية لطي هذا الملف، بما يحفظ حقوق جميع اللبنانيين، ومخاطبتهم قائلا لهم إن هذا حق وليس عفوًا ، لأن تلك الجريمة (كما رويت وحوكمت) لم ترتكب أصلا.