أمجد اسكندر

"الحشاشون" من جبال إيران إلى لبنان

3 دقائق للقراءة

كيف يمكن لنظام سياسي أن ينتصر على عدوّه إذا كان فاشلا في منطلقاته الفكرية وظالمًا لشعبه؟ كل الأنظمة الوحدوية التي رفعت شعار القوميات، من سورية وناصرية وبعثية وإسلامية، أساءت إلى شعوبها أضعاف الضرر الذي تسببت به إسرائيل، وخرجت خاسرة في كل المواجهات مع "العدو الصهيوني". المعادلة الواضحة تقول إن رضى الشعب عن نظامه السياسي مفتاح لحريته ورخائه وعنصر قوة للانتصار في الصراعات الخارجية. هذا ما فعلته إسرائيل، وهذا ما لم يفعله الاستبداديون في منطقتنا. ورغم هذه المعادلة التي لا لبس فيها، تسلّل "حزب الله" إلى مسرح الأحداث، وهو لا يملك من عناصر القوة إلا عدم الاكتراث لحجم الدمار واعتبار الاستزادة من القتلى في صفوفه سعادة لا توصف.

يملك "حزب الله" مشروعين، داخليًا وخارجيًا. المشروع الداخلي قوامه أنّ لبنان يجب أن يكون جزءًا من الجمهورية الإسلامية العالمية التي مركزها في طهران، ويجب تطبيق الشريعة الإسلامية بنسخة "ولي الفقيه" على كل الشعب اللبناني. المشروع الخارجي قائم على "تكليف شرعي" بانخراط هذا الفصيل من "الحرس الثوري" في كل الساحات التي يتحرك فيها النظام الذي اعتمد انتهاك سيادة الدول والإرهاب ركنين أساسيين لقوته الإقليمية. ومن المستحيل أن تنجح منظمة في معركة خارجية وهي في جوهرها قائمة على منظومة أفكار تمثل الفشل بعينه، وفي كل المجالات. المقاومة الفرنسية انتصرت في الحرب العالمية الثانية، بدليل أن الأحزاب التي انضوت تحت لوائها كانت قبل الحرب تحظى برضى الشعب، وكذلك بعد الحرب، فتلك الأحزاب، من يمينية ويسارية، وصلت إلى السلطة مرارًا وتكرارًا.

"المقاومة اليسارية" عندنا كان من المستحيل أن تحقق أهدافًا أكثر من عمليات إيلام لإسرائيل، وهذا الاضمحلال الوجودي لأحزابها منذ الثمانينيات حتى اليوم هو الدليل الساطع على أنّ الفكر السياسي الذي يرفضه المنطق... والشعب، لا ينتصر إلا على شعبه. وضحالة الخطاب السياسي للحزب تدفع به أيضًا إلى الاضمحلال ولو بعد حين وبأثمان مهولة. لا توجد منظومة فكرية معاصرة قادرة على تبرير هذا الانتحار وهذا الاستهتار. كلمات من ماضٍ سقيم تُسترجع ويُبنى عليها أوهام وعصبيات. إفلاس يُراد له أن يستتر تحت كلمات فارغة. كيف ارتفع فجأة قدر نعيم قاسم من شيخ إلى "حجة الإسلام والمسلمين"، وبهذه السرعة القياسية؟ في مقابل الضحالة الفكرية، وحيث الهزيمة واقعة لا محالة، يُزج بالألقاب علّها تغيّر موازين المعركة. حسن نصرالله سيّد شهداء الأمة؟ ألا يمكن تقديره إلا بهذه الطريقة التعميمية؟ كيف لهاشم صفي الدين أن يصبح من آل البيت الهاشمي، والإيحاء بأنّه من نسب النبي محمد فقط لأن اسمه الأول هاشم؟ طبعًا من حق كل منظمة أن تغدق الألقاب على مسؤوليها، لكن الرسالة التي تصل إلى الآخرين تبدو كأنّ هذه الألقاب لا تستهدف إغاظة العدو بل الداخل اللبناني. الانسداد الفكري لهذه المنظمة لا شفاء منه. ويشعر كل لبناني مخلص بأنّ العمل على تحرير البيئة من هذا الفصيل الإيراني واجب وطني ملحّ، لأنّ البيئة أصبحت رهينة مقامراته وعبثيته القاتلة. ومن دون صحوة ضمير عند المشغّل في إيران، فإنّ مصير هذا الحزب سيكون مثل مصير جماعة "الحشاشين" التي عاشت في إيران في القرن الثالث عشر، وكانت على المذهب الشيعي الإسماعيلي. المشروع السياسي لـ"الحشاشين" كان تقديم خدمات الاغتيال والتفنّن في الانتحار وهم في حال من النشوة بمخدّر الحشيشة. ومن سوء الحظ أنّ هؤلاء الحشاشين الذين عاشوا في جبال إيران عادوا وظهروا في جبل عامل.