ثمة ملاحظة تصبغ جل الهياكل الوظيفية التي ينشئها "حزب الله"، وهي مصطلح الوطنية الذي يتم حشره بنمط يغلب عليه التصنّع والافتعال. مع أن المبتغى هو تقديم نفسه كوريث سياسي للحركة الوطنية وإرثها في المخيال الجمعي، إلا أنه في العمق يبيّن شعوره بنقص في الوطنية يبحث عن تعويضه عبر هذه النماذج.
ومع ذلك، فإن مقارنة نسق هذه الهياكل بين 2005 واللحظة الراهنة، تُظهر حجم العزلة السياسية التي يقاسيها "الحزب"، مع الانهيار المريع في حجم ومستوى التمثيل السياسي، حيث يمثّل ذاك العام نقطة مرجعية، بنهاية حقبة الوصاية لنظام الأسد، وبداية وصاية المشروع الإيراني التوسعي، وإمساكه بخيوط الواجهات التي كان يستثمرها الأول. يجسّد تجمع "8 آذار" نموذج هذا الانتقال، حيث انطلق في صيغته الأولى بـ"لقاء عين التينة"، والذي كان ردًا على "لقاء البريستول". لم يكن تفصيلا انعقاد أولى جلساته في مقر الرئاسة الثانية، وبتاريخ 8 شباط، أي قبل أسبوع فقط على الاغتيال الزلزالي لرفيق الحريري.
عند التدقيق في هوية الحاضرين، نجد الرئيس نبيه بري، وسلفه حسين الحسيني، وأمين عام "الحزب" حسن نصر الله بشخصه، و16 وزيرًا من الحكومة الثلاثية للرئيس عمر كرامي، بنصاب الثلث زائد واحد، بينهم إيلي الفرزلي، ووزير الداخلية ورأس الحربة حينها سليمان فرنجية، ونائب رئيس مجلس النواب ميشال المر. بالإضافة إلى نواب كثر، وأحزاب مثل "الكتائب" برئيسها كريم بقرادوني، و"الطاشناق" و"الهانشاك"، و"المشاريع الإسلامية" و"الجماعة الإسلامية"، التي عادت وانسحبت عقب اغتيال الحريري. ناهيكم عن النواب "الوديعة" في كتلة الأخير، مثل باسم يموت وعدنان عرقجي، ومجموعات وشخصيات أقل وزنًا.
بينما نشط نائب رئيس المكتب السياسي لـ"الحزب" الحاج محمود قماطي، خلال "حرب الإسناد"، لتجميع أوراق الحلفاء وعقد "نيو 8 آذار" مع توظيف دعاية مكثفة، وممارسة ضغوط سياسية ومالية. فحصد فشلا مريعًا، إذ لم يحضر من خارج كتلته سوى نائبين: طوني فرنجية وجهاد الصمد. أواخر نيسان الماضي، أعاد قماطي الكرة مع دعم حزبي أقوى لاجتناب اجترار الفشل نفسه، فكانت النتيجة مراكمة الفشل وتظهير المزيد من العزلة السياسية.
فلم يحضر أي وزير، حيث أرسل وزير العمل محمد حيدر مستشاره. فيما اقتصر التمثيل النيابي على اثنين: "المكوّع" الياس جراده، وجهاد الصمد، الذي يقول في مجالسه إنه مستعد للتضحية بمقعده النيابي مقابل موقفه المبدئي بالتموضع إلى جانب من يرفع لواء عداء إسرائيل. وبالتالي سيستمر بأي هيكل مشابه، بـ"حزب الله" ومن دونه.
بينما يبدو أن الحلفاء السابقين استعرّوا حرفيًا من الارتصاف خلف "الحزب"، حيث أرسل فرنجية الأب والابن ممثلة عنهما، وكذلك فعلت "أمل" عبر نجل النائب قبلان، و"التيار الوطني الحر" عبر الوزير الأسبق طارق الخطيب. والأطراف الثلاثة تتحين اللحظة المناسبة لتثبيت تموضعها خلف السعودية. الرئيس بري يريد تأدية عمرة سياسية، والنائب جبران باسيل لا يترك فرصة دون تسجيل موقف مؤيد للرؤية السعودية، بينما زرع النائب طوني فرنجية شوارع طرابلس بصور الأمير محمد بن سلمان مذيلة بتوقيع أصدقائه في وقت سابق.
كما لم يحضر أي من النائبين العلويين، أو أي تنظيم إسلامي سني لديه وزن جدي. ليتصدر المشهد شخصيات من عيار شاكر البرجاوي، وعلي حجازي وحزبه الكرتوني، وناصر قنديل، ونواب سابقون من عصر وصاية الأسد. حتى أسعد حردان أرسل ممثلا عنه. القاسم المشترك بين "لقاء عين التينة" واليوم هو معزوفة "الحوار الوطني"، وسائر مصطلحات الخطاب الخشبي الممانع، مع استبدال حماية سوريا الأسد بنظام الملالي، ومواجهة القرار 1559 بقرارات حكومة الرئيس نواف سلام.
بذا، يمسي "الحزب" أقرب إلى "الجنرال في متاهته" لغابرييل غارسيا ماركيز، والتي يفكك فيها أسطورة البطل الملحمي "بوليفار"، وتحوّله من قائد عظيم لـ"كولومبيا الكبرى" إلى رجل منبوذ ومطارد يعاني من عزلة شديدة. وهذا حال مخلب الملالي المتهاوي ومشروعه، حيث يغدو كمن يتخبط في عزلة سياسية متزايدة، يحاول تكذيبها عبر خطاب تهديدي عنيف يتوكأ على إرث الخوف والقمع في الذاكرة الجمعية.