رنا شمص

حين تُسمّى الحريّة "حربًا على الله"

5 دقائق للقراءة

عندما يخرج مواطنون إلى الشارع في إيران مطالبين بحقوقهم الأساسيّة، لا يواجههم النظام بوصفهم معارضين سياسيّين، بل باعتبارهم أعداء للّه. توصيف بالغ الخطورة، لأنّه لا يكتفي بتجريم الإحتجاج، بل يشرّع القتل. فـ"محاربة الله" في قاموس الدولة الدينيّة ليست تهمة رمزيّة، بل حكم إعدام جاهز التنفيذ.

هكذا، تُمحى الحدود بين العقيدة والسلطة، ويُلغى الإنسان لحساب الفكرة، وتُختصر العدالة في فتاوى تُفصَّل على قياس الحاكم. في هذا النموذج، لا قيمة للدم، ولا معنى للمواطنة، ولا مكان للرحمة. هناك فقط سلطة تتكلم باسم السماء، وتقتل باسمها.

الدولة الدينية: حين يصبح القمع فضيلة

ما يجري في إيران ليس انحرافًا عن النظام، بل هو جوهره. دولة تعتبر نفسها ممثّلًا للإرادة الإلهيّة لا يمكن أن تتسامح مع الإعتراض، لأنّ الإعتراض يصبح تلقائيًا اعتراضًا على الله نفسه. وهنا تكمن خطورة الدولة الدينيّة: فهي لا تترك مجالًا للإصلاح، ولا تعترف بالخطأ، ولا تخضع للمحاسبة.

في هذا النوع من الأنظمة، القمع ليس فشلًا سياسيًا، بل "واجب شرعي". والدم ليس جريمة، بل "تطهير". والمعارض ليس مواطنًا، بل خطرًا وجوديًا يجب استئصاله.

حزب الله: الامتداد لا الاستثناء

صحيح أنّ لبنان يختلف في تكوينه عن إيران. مجتمع تعدّدي، تاريخ من الحريات، مساحة مفتوحة للإختلاف. لكنّ هذا الاختلاف لا يشكّل ضمانة بحدّ ذاته. فالخطر لا يأتي من التشابه الكامل، بل من تسلّل الفكرة نفسها: فكرة خلط الدين بالسلطة، وتحويل السياسة إلى امتداد للعقيدة.

لبنان لا يسقط دفعة واحدة. يسقط عندما يتعوّد أهله على تبرير السلاح، ثم تبرير القمع، ثم تبرير الصمت. يسقط عندما يصبح الإعتراض "فتنة"، والتظاهر "خيانة"، والسؤال "تشكيكًا بالمقدّسات".

لا يمكن الحديث عن هذا الخطر من دون تسمية الأمور بأسمائها. حزب الله ليس حزبًا لبنانيًا تقليديًا، بل تنظيم عقائدي مرتبط فكريًا وسياسيًا بنموذج ولاية الفقيه. هذا الإرتباط ليس ادّعاءً، بل حقيقة معلنة ومكرّسة في الخطاب والممارسة.

كلّ من يظنّ أنّ الحزب، لو امتلك السلطة الكاملة، سيحمي حريّة التظاهر أو حقّ المعارضة، يتجاهل التجربة الإيرانيّة نفسها التي يعتبرها الحزب مرجعيّته السياسيّة والدينيّة. الفرق الوحيد هو أنّ الظروف اللبنانيّة ما زالت تمنعه من ممارسة سلطته القصوى، لا أنّه لا يرغب بذلك.

البراغماتيّة التي يظهرها الحزب اليوم ليست خيارًا فكريًا، بل ضرورة مؤقتة. وعندما تزول الضرورة، تزول معها الأقنعة.

شيطنة المعارض: من الخصومة السياسيّة إلى الإبادة المعنويّة

أخطر مراحل الانحدار في أي نظام يخلط الدين بالسياسة لا تبدأ بالرصاص ولا بالمشانق، بل باللغة. تبدأ عندما يُنزَع عن المعارض صفته كمواطن، ويُعاد تعريفه أخلاقيًا ودينيًا بوصفه خطرًا يجب تحييده. هنا، لا يعود الخلاف السياسي اختلافًا في الرأي أو البرامج، بل يتحوّل إلى معركة بين "الحق" و"الباطل"، بين "الإيمان" و"الضلال".

في هذه المرحلة، تُصاغ التهم بعناية: المعارض ليس صاحب موقف، بل "مندسّ"، "عميل"، "مخرّب"، "مفسد"، أو في أقصى الحالات "عدوّ لله". هذه اللغة ليست انفعاليّة ولا عشوائيّة، بل مدروسة. هدفها نزع الشرعيّة الأخلاقيّة عن الخصم قبل نزع حريته، وتجريد المجتمع من أي تعاطف معه قبل تصفيته سياسيًا أو جسديًا.

حين يُشيطَن المعارض، يصبح الاعتداء عليه مقبولًا، بل مبرّرًا. يصبح ضربه "دفاعًا عن القيم"، وسجنه "حماية للإستقرار"، وقتله "ضرورة وجوديّة". الأسوأ من ذلك أنّ هذا الخطاب لا يظلّ حكرًا على السلطة، بل يتسرّب إلى المجتمع نفسه، فيتحوّل بعض الناس إلى حرّاس أيديولوجيّين يبرّرون القمع، أو يشاركون فيه، أو يصمتون عنه باسم الخوف أو الولاء.

في هذه اللحظة، لا تعود المشكلة في النظام وحده، بل في المجتمع الذي يبدأ بتطبيع القمع. حين يُسأل المواطن: "لماذا سُجن هذا الشخص؟" فيكون الجواب: "لأنه تجرّأ"، أو "لأنّه تجاوز الخطوط"، أو "لأنّه أساء للمقدّسات". عندها، تكون الحريّة قد خسرت معركتها الأساسيّة: معركة المعنى.

شيطنة المعارض هي أخطر من السجن، لأنها تقتل سلفًا أي إمكانية للتضامن. وهي أخطر من الرصاص، لأنها تزرع الخوف في العقول قبل الأجساد. وهي أخطر من القوانين القمعيّة، لأنها تُقنع الناس بأنّ القمع عادل، وأنّ الضحيّة تستحق مصيرها.

وهنا تحديدًا، يصبح الدّين أداة تدمير للمجتمع لا خلاصًا له. فالدّين الذي يُستخدم لإسكات الأسئلة، وتجريم الاعتراض، وتحويل البشر إلى أعداء لله، لا يحمي الإيمان، بل يشوّهه. إنّه دين السلطة، لا دين القيم.

عندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال: من يحكم؟

بل: من يُسمح له بالكلام؟ ومن يُحكم عليه بالصمت إلى الأبد؟

الحريّة ليست تفصيلًا لبنانيًا

الحريّة في لبنان ليست شعارًا مستوردًا، بل جزء من تكوينه. هي ما بقي له وسط الانهيار. وهي آخر ما يجب التفريط به. من يساوم على الحريّة اليوم، سيفقد غدًا حتى حقّ الصمت.

مواجهة القوى التي تستخدم الدّين في السياسة ليست حربًا على الدّين، بل دفاع عنه. فالدّين الذي يحتاج إلى السلاح ليُفرض، وإلى الإعدام ليُحمى، ليس دينًا، بل أداة سلطة.

هذه ليست مناكفة سياسيّة، ولا سجالًا نظريًا. إنّها معركة على شكل لبنان الذي نريده: إمّا بلد أحياء أحرار، أو ساحة خاضعة لعقيدة واحدة وصوت واحد.