يُعرض منذ الأسبوع الماضي في دُور السينما اللّبنانيّة فيلم "Giant" الذي يروي سيرة الملاكم البريطاني - اليمني الشهير نسيم حميد، المعروف بلقب "الأمير نسيم" أو "ناز". يستكشف الفيلم مسيرته من شوارع الطّبقة العاملة في شيفيلد وصولًا إلى عرش الملاكمة العالميّة، مستندًا إلى علاقة مُعقدة ومُثيرة مع مُدرِّبه الإيرلندي الأصل Brendan Ingle. الفيلم من تأليف وإخراج Rowan Athale، ويجمع بين الممثل المصري - البريطاني أمير المصري في دور "ناز"، والنجم الإيرلندي Pierce Brosnan في دَور "Ingle"، إضافة إلى دَور بطل ومُسوّق المُلاكمة "Frank Warren"، يلعبه البريطاني المُخضرم Toby Stephens.
سيرة ملاكم أم فضل مدرِّب؟
من زاوية أولى، يُقدّم "Giant" قصّة تحمل عناصر الدراما الرياضيّة الكلاسيكيّة. شاب موهوب يواجه التحدّيات الاجتماعيّة والعنصريّة، ولديه طموح إثبات الذات وسط صراعات داخليّة وخارجيّة. هذا القالب ليس بجديد في تاريخ السّينما، حيث نرى أن العديد من أفلام الملاكمة في السّينما الغربيّة، مثل "Rocky" أو "Raging Bull" تستند إلى النمط نفسه... لكن ما يُميّز هذا العمل هو التركيز على بُعد العلاقات الإنسانيّة أكثر من مسار البطولات نفسها.
في زاوية أعمق، الفيلم يدور في جوّ مشحون بالعواطف الإنسانيّة، لكن الرّؤية السينمائيّة تبدو أحيانًا مُتعثرة في التوازن بين الشخصيّتَين البارزتَين، الملاكم ومدرِّبه. فبينما ينجح الفيلم في عرض صعود المُلاكم نسيم حميد وتأثير العنصريّة على تكوينه النفسي والاجتماعي، تبقى علاقته بالمدرّب مركزيّة بشكل يفوق الأهميّة الفعليّة لها في الحكاية. هذا التمركُز على "Ingle" يجعلنا نشعر أن الفيلم في بعض لحظاته ليس سيرة ذاتيّة للملاكم، بقدر ما هو تمجيد للمدرِّب!
بروسنان والمصري يتألّقان
يؤدّي أمير المصري أداءً قويًا مليئًا بالطّاقة، فهو ينقل لنا "ناز" كشخصيّة ذات ثقة زائدة حدَّ التعجرف، ذات روح قتاليّة وتناقضات اجتماعيّة مُعقدة. في المُقابل، يُقدّم بيرس بروسنان أداءً يُذكّرنا بأفضل أدواره في الدّراما أكثر من "الأكشن"، حيث يتمكّن من إضافة عمقٍ عاطفيّ وديناميكيّة لتفاعل المدرِّب مع تلميذه. هذا التناغم بين المصري وبروسنان يُضيف قيمة كبيرة للمَشاهد، لكن هناك العديد من اللّحظات حيث يبدو الحوار فيها مبتورًا أو مليئًا بالكليشيات التي تُخفف من وقع المشهد الدرامي.
أمّا إخراجيًا، نجد أن روان أتال يتعامل مع القصَّة بنبرة كلاسيكيّة تحترم قواعد السّرد الدرامي الرّياضي، لكن الفيلم يسير في بعض فصوله بوتيرةٍ بطيئة أو ثقيلة، خاصّةً في أثناء مشاهد التدريب والحياة اليوميّة خارج الحلبة. كما أن القتالات داخل الحلبة لا تحمل الحِدَّة والمُتعة البَصريّة المطلوبة في فيلم ملاكمة، إذ يبدو التصوير مُحايدًا عن عنف القتال في أكثر من لحظة، ما يُقلّل حسّ الإثارة الذي نتوقعه في مشاهد الاشتباكات.
الدِّين على الحلبة
نلحظ أيضًا تركيز الفيلم على تمثيل العنصريّة والدِّين في سياق الأحداث. إذ يُظهر الفيلم الملاكم "ناز" كشخصيّة دينيّة ملتزمة، يُصلّي ويُعبّر عن امتنانه للّه بعد انتصاراته. وهو أمر لم نره كثيرًا في أفلام الرّياضة الغربيّة، قدَّم لمسة ثقافيّة تحترم الخلفيّة الشخصيّة للبطل. لكن معالجة هذه العناصر لا تخرج أحيانًا من سطحيّة السّرد، كأنها عناصر تجميل أكثر من كونها مواضيع تستحق تحليلًا أعمق.
يبقى فيلم Giant عملًا سينمائيًّا طموحًا، يؤثر في قلب المُشاهد بقوّة قصَّته الإنسانيّة وطاقاته التمثيليّة اللّافتة، لكنه يقع في فخ النمطيّة والاستطرادات الزائدة في بعض جوانبه، ما يجعله أقلّ تأثيرًا من بعض الأعمال الأخرى من النوع عينه. لمُحبّي أفلام الدراما الرياضيّة، تجدون ضوءًا مُسلّطًا ومُلهمًا على أحد أساطير المُلاكمة المنسيّة، لكن بلا ضربة قاضية!