يُثبت الكاتب والمخرج Guy Ritchie مرّة جديدة أنه من المخرجين القلائل القادرين على تحويل الفوضى إلى عرض سينمائي ممتع. فيلمه الجديد "In the Grey" لا يسعى إلى إعادة تعريف سينما الحركة أو تقديم أطروحة فلسفية معقّدة حول الخير والشر، بل يعرف تمامًا ما يريد أن يكونه... تلك المغامرة المشوّقة، الأنيقة، السريعة الإيقاع، والتي تعتمد على الكاريزما بقدر اعتمادها على الطلقات النارية.
تدور الحكاية في عالم الصفقات المشبوهة والمصالح المتشابكة، حيث تتداخل الحسابات المالية مع الولاءات الشخصية. وتتحرّك الشخصيات داخل منطقة أخلاقية غير مستقرة، لا وجود فيها لأبطال بالمفهوم التقليدي. هذا المناخ يناسب ريتشي تمامًا، فهو لطالما أجاد بناء عوالم يحكمها رجال يتحدثون بثقة، ويتحرّكون بأناقة، كما لو أنهم يسيطرون على الوضع حتى عندما يكون عالمهم على وشك الانهيار.
ما يمنح الفيلم جاذبيته الأساسية هو أسلوبه الواضح بأنه صُنع بحب لهذا النوع السينمائي. ففي زمن أصبحت فيه أفلام الأكشن تميل إلى الضجيج الرقمي والإفراط في المؤثرات، يقدّم "In the Grey" تجربة أقرب إلى أفلام المهمات الكلاسيكية، لكن بلمسة حديثة. الحركة هنا ليست مجرّد انفجارات متتالية، بل جزء من إيقاع مدروس يعرف متى يسرّع ومتى يترك للمشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه.
الأداءات تلعب دورًا حاسمًا في ترسيخ متعة المشاهدة. يواصل Henry Cavill ترسيخ صورته كنجم حركة كلاسيكي بملامح معاصرة. حضوره هادئ لكنه واثق، ويمنح الشخصية صلابة لا تحتاج إلى استعراض. في المقابل، Jake Gyllenhaal يضيف خفة ومرونة تجعل الثنائية بينهما واحدة من نقاط قوة الفيلم الأساسية. الكيمياء بين النجمَين ليست مجرّد تفصيل، بل عنصر حيوي يمنح الحوار طاقة خاصة، ويخلق شعورًا بأننا نشاهد شخصيات تستمتع فعلا بما تفعله، مهما كانت المخاطر. أما Eiza González فتمنح الفيلم توازنًا مهمًا، ليس فقط لأنها تضيف حضورًا لافتًا وآسرًا، بل لأنها تمثّل نقطة ارتكاز داخل عالم يفيض بالشخصيات الذكورية المتنافسة. حضورها يمنع الفيلم من التحوّل إلى استعراض مغلق للعضلات والكاريزما الذكورية، ويضيف بُعدًا أكثر عملية وذكاء إلى السرد.
قد يكون السيناريو أحيانًا متشابكًا أكثر من اللازم، خصوصًا في بعض التفافات الحبكة التي تبدو وكأنها تحاول إرباك المشاهد عمدًا، لكن هذه الفوضى نفسها جزء من هوية الفيلم. لا يقدّم ريتشي سردًا مستقيمًا وبسيطًا، بل يحبّ أن يجعل المُشاهد يلاحق التفاصيل، ويشارك في فك تشابك اللعبة. وحتى حين لا تكون كل القطع متماسكة تمامًا، فإنّ الطاقة التي يحملها الفيلم تعوّض كثيرًا من ذلك. هذه الطاقة تنبع من الحرفة التقنية، إذ إنّ ريتشي لا يزال يعرف كيف يصنع مشهد حركة ممتعًا للمُشاهدة، وكيف يمنح حتى اللحظات الانتقالية ملمسًا بصريًا جذابًا.
اللافت أيضًا أنّ الفيلم يحمل روح الأعمال متوسطة الميزانية التي كانت تنتجها هوليوود بكثافة في فترات سابقة. أفلام لا تدّعي العظمة، لكنها تعرف كيف تؤدي مهمتها بكفاءة وأناقة. وربما هنا تكمن جاذبيته الحقيقية، لكونه فيلمًا لا يطلب من المُشاهد أكثر من الاستمتاع بالتجربة "المؤكشنة".
لا يسعى فيلم "In the Grey" إلى ترك أثر وجوديّ عميق، لكنه ينجح في تحقيق هدفه الأساسي، عبر تقديم ساعتَين من الترفيه الأنيق والمشحون بالكاريزما. ولعشاق غاي ريتشي تحديدًا، قد يكون هذا واحدًا من أكثر أفلامه متعة في السنوات الأخيرة.
فيلم يعرف قواعد اللعبة جيدًا، ويستمتع بكسر بعضها... حاليًا في جميع صالات السينما.