يمتصّ الأطفال فيضًا من المعلومات عبر تطبيقات يتفاعلون معها إيجابًا وسلبًا من دون وقتٍ كافٍ لاستيعاب ما يرونه أو يشعرون به، ما يفرض أسلوبًا تربويًا لا يقتصر على إرساء القيم وتحديد "الصح والخطأ"، بل مساعدتهم في حماية أنفسهم نفسيًّا، والتركيز على قدرتهم على تمييز ما هو مناسب لهم افتراضيًا.
احترام عالم الطفل الداخليّ وحدوده النفسية أمر أساسيّ في ظلّ التعرّض المبكر لمحتوى إلكتروني غير مناسب لسنه، فهو يحتاج إلى عيش طفولته بوتيرتها الطبيعيّة، وفهم مبدأ أن ليس كلّ ما هو متاح هو حكمًا مسموح. ففي ظلّ المقارنة الدائمة التي تفرضها الشاشات، يجب تدعيم تقديره الذاتي كي لا يقيس قيمته الشخصية بصور الآخرين المثالية وبما يملكونه وبعدد الإعجاب، كما تعليمه قيمة الصبر وضبط النفس وتحمّل الإحباط بعدما اعتاد الإشباع الفوري، ما يكسبه مهارة نفسية أساسية تساعده على التوازن العلائقي والحياتي مستقبلًا.
انطلاقًا من ذلك تتحدّث الاختصاصيّة النفسية جنى ضاهر عن تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل على القيم الأخلاقية لدى الجيل الجديد، فتقول: "لم تُلغِ القيم الأخلاقيّة بل غيّرت مظاهرها وكيفية التعبير عنها، خصوصًا أن هذا الجيل يعيش في عالم سريع ما أثر في بعض القيم كالصبر واحترام الخصوصية وتحمّل الإحباط. كما أن التواصل الافتراضي قد يُضعف أحيانًا الإحساس بأثر الكلمة، ما يجعل السخرية أو التنمّر أسهل من دون إدراك حقيقيّ لوجع الآخر. في المقابل، أصبح بعضهم أجرأ في التعبير عن مشاعره ومنفتحًا أكثر على قضايا إنسانية واجتماعية لم تكن مطروحة سابقًا. لذلك ليس التأثير سلبيًا أو إيجابيًا بحدّ ذاته، بل هو مرتبط بغياب أو حضور التوجيه والمرافقة من قبل البالغين".
هل يمكن أن تصبح التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الأخلاق بدلًا من تهديدها؟ تجيب: "قد تصبح مصدر تشويش وضغط في حال تُرك الطفل في مواجهة محتواها وحيدًا، أمّا إذا استُخدمت كأداة مرافَقة لتعزيز القيم فيمكن أن تتحوّل إلى فرصة"، موضحة أن المحتوى الموجّه للأطفال لا يعني بالضرورة أنه يقدّم مفاهيم أخلاقية، بل نوعه وكيفية التفاعل معه، حيث إن التلقين لا يتحقق تلقائيًا ومباشرة بل من خلال الاختبار والتجربة التي ترسّخ القيم أكثر. فهناك برامج تبدو جذابة وسريعة الإيقاع لكنها تنقل ضمنًا رسائل سلوكية غير مناسبة، مثل تمجيد العنف، والسخرية من الآخر، أو ربط النجاح بالإقصاء والقوّة. وهنا لا تكمن الخطورة في وضوحها، بل في تكرارها واعتياد الطفل عليها من دون امتلاك أدوات نقدية لفهمها. لذلك، يبقى دور البالغ أساسيًا في مرافقته ومحادثته عمّا يختبره من خلال هذه التطبيقات. وبالتالي، يمكن أن تشكّل التطبيقات وسيلة فعّالة لتعزيز القيم الأخلاقية شرط اختيارها بوعي واستخدامها بإطار تربويّ متوازن، وقد تتحوّل إلى ناقل صامت لرسائل لا تخدم نموّ الطفل إذا تُركت من دون توجيه.
وعن دور المؤسّسات التربوية في المراقبة والتوجيه، تقول: "تؤدّي دورًا أساسيًا في حماية الأطفال وإعطائهم الأدوات الواضحة في التعامل مع التكنولوجيا بوعي ومسؤولية من ضمن إطار يحمي نموّهم النفسيّ والأخلاقيّ، لأنهم يختبرون مواقف كثيرة مرتبطة بالشاشات داخل الإطار المدرسيّ الذي يشكّل مساحة لتعليمهم كيفية فهم ما يواجهون والتصرّف إزاءه. كما يساعدهم على اكتساب مهارة التمييز بين ما هو مقبول وما هو مؤذٍ في التواصل عبر الشاشات وكيفية التوقف وطلب المساعدة والتعبير عن الانزعاج. ويبرز دور المدرسة أيضًا في ترسيخ احترام الخصوصية، كعدم تصوير الآخرين أو مشاركة محتوى بلا إذن. فهذه القواعد لا تُقدَّم كممنوعات، بل كجزء من ثقافة تحمي الطفل والآخرين في الوقت نفسه. ويتعلّم أيضًا من خلال مناقشة مواقف كالسخرية والإقصاء أو التنمّر أن ما يحدث عبر الشاشات له أثر حقيقي، وأنه ليس وحيدًا في المواجهة، ما يساعده على التعامل مع هذه المواقف بوعي أكبر بدلًا من الصمت أو التصعيد".
انطلاقًا من ذلك، يتأثر الطفل وفق ضاهر بشكل عميق ومباشر بمحيطه العائلي والمدرسي، لأن الشخصية لا تتكوّن من فراغ، بل من خلال العلاقات اليومية التي يعيشها. لذا يصبح ما يختبره في المحيطين معًا هو الإطار الذي يفهم من خلاله نفسه والآخرين والعالم. يتعلّم في العائلة معاني الأمان والحدود والتواصل حيث إن طريقة تعامل أفرادها مع المشاعر والخلافات والضغوط اليوميّة تترك أثرًا واضحًا في بناء ثقته بنفسه وقدرته على التعبير وتنظيم انفعالاته. فيما يختبر في المدرسة ذاته خارج الإطار العائلي فيتعلّم كيف يكون جزءًا من مجموعة ويتعامل مع الاختلاف ويواجه النجاح والإخفاق. ويساعد المناخ المدرسي الداعم، المرتكز على الاحترام والاحتواء، الطفل على تطوير مهارات اجتماعية وعلى الشعور بالانتماء، فيما يترك المناخ الضاغط أو غير الواضح أثرًا معاكسًا. لذا، عندما يتحقق الانسجام بين ما يعيشه في البيت وما يختبره في المدرسة، يشعر بالثبات والوضوح، ما يدعم نموّه النفسي والشخصي. أمّا التناقض المستمر بينهما، فقد يربكه ويجعله في حالة صراع داخليّ حول القيم والتوقعات.
من هنا، يلعب المحيط العائلي والمدرسي دورًا تكامليًا في بناء شخصية الطفل والمراهق، إذ يشكّلان معًا الأساس لفهم الذات وبناء العلاقات وتطوير القدرات على التكيّف والنموّ بطريقة متوازنة.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار التربية على القيم والأخلاق أكثر تحدّيًا اليوم، ليس لأنها فقدت أهميّتها، بل لأن البيئة المجتمعية أصبحت أكثر تعقيدًا وتنوّعًا، حيث لم يعد الطفل يتلقى الرسائل من العائلة والمدرسة فقط، بل من مصادر متعدّدة ومتزامنة وسريعة وأحيانًا متناقضة، يصعب عليه تنظيمها أو فهمها وحده ما يجعل عملية التربية أقلّ بساطة ممّا كانت عليه سابقًا، إنما أكثر حاجة إلى وعي وحضور وثبات، حيث يفرض هذا الانفتاح الانتقال من واحدة قائمة على التلقين والمنع إلى أخرى مرتكزة على الحوار والفهم، وبناء التفكير النقدي. فعندما يُمنَح الطفل مساحة آمنة لطرح الأسئلة والتعبير بحرية والمناقشة، يصبح أكثر قدرة على بناء منظومة قيم داخلية بدل الاكتفاء باتباع ما يُملى عليه.
تربية رقمية واعية لا يُضبط استخدام الشاشات ونوعيّة المشاهدة بشكل متوازن ما بين التعليم والترفيه والقيم عبر المنع أو التشديد، بل عبر تنظيم واعٍ يراعي حاجات الطفل النفسية ومرحلته العمرية. إذ لا يحتاج الطفل إلى محتوى جيّد، بل إلى إطار واضح يساعده على فهم متى ولماذا وكيف يستخدم الشاشة. والعناصر المساهمة في ذلك هي: - الوضوح: عندما تكون أوقات استخدام الشاشة متوقعة وثابتة نسبيًا، يشعر الطفل بالأمان فلا تتحوّل إلى مصدر صراع أو تفاوض دائم. - نوعية المشاهدة: ليس كل محتوى تعليمي مفيدًا بالضرورة، ولا كل محتوى ترفيهي سلبيًا. ما يهمّ هو ما يحمله المحتوى من نماذج وقيم: كيف تُحلّ الخلافات؟ كيف يُصوَّر الآخر؟ ما الذي يُكافَأ وما الذي يُستهان به؟ لأن الطفل يتأثر بهذه التفاصيل أكثر من المعلومة المباشرة. - طريقة المشاهدة: غالبًا ما تفقد المشاهدة المعزولة والممتدّة قيمتها، فيما تلك التي تتخلّلها فترات توقف وانتقال إلى نشاط آخر أو مساحة للكلام، تساعد على الاستيعاب بدلًا من الاستهلاك السريع. يفرض التوازن ألا تكون الشاشة الوسيلة الأساسية للتهدئة أو ملء الفراغ لأن الطفل يحتاج إلى اختبار الملل، واللعب الحر والتفاعل المباشر، لأن هذه التجارب تبني خياله وقدرته على التنظيم ونموّه العاطفي والاجتماعي. عندما يشعر الطفل أن الشاشة ليست مركز يومه أو مصدر قيمته الوحيد، يصبح أكثر قدرة على الاستفادة منها من دون أن تطغى على نموّه أو منظومته القيمية. |