إنّ إبداء الرأي في مسألة تعيين أحد المدّعى عليهم في قضية تفجير مرفأ بيروت مديرًا عامًا للجمارك، يجب ألّا ينطلق من أي اعتبار شخصي أو سياسي أو حزبي. فلا يهمّنا اسم الشخص المعنيّ، ولا انتماؤه، ولا الجهة التي دعمته، ولا المرجعية التي كانت وراء تعيينه. فالنقاش، في جوهره، لا يتعلّق بالأشخاص، بل بمفهوم الدولة، وبحدود السلطة، وبالمعايير التي يُفترض أن تحكم إدارة الشأن العام في نظام يدّعي احترام القانون والعدالة.
وما يعنينا، حصرًا، هو قول الحق والدفاع عنه، ولا سيّما أن قضية تفجير مرفأ بيروت ليست قضية عادية، ولا حادثًا عرضيًا، ولا خطأً إداريًا يمكن تجاوزه، بل جريمة وطنية ودولية كبرى أصابت لبنان في الصميم، ودمّرت جزءًا من عاصمته، وأودت بحياة المئات، وشرّدت الآلاف، وخلّفت جرحًا جماعيًا مفتوحًا في وجدان اللبنانيين. جريمة ارتقت بجسامتها وآثارها إلى مستوى الاعتداء على الإنسانية ذاتها، وتجاوزت حدود السيادة الوطنية لتصبح قضية ذات بعد دولي وأخلاقي وإنساني.
ومع ذلك، يطلّ علينا بعض المسؤولين بخطاب واحد متكرّر، صادم ومخجل، يختبئون فيه خلف مبدأ قرينة البراءة لتبرير تعيين يناقض أبسط قواعد الرصانة والمسؤولية والأخلاق العامة. خطاب يُختزل فيه القانون بشعار، وتُختزل العدالة بعبارة، وتُختزل الدولة بمنطق التبرير، في استخفاف فجّ بمشاعر أهالي الضحايا، وبهيبة القضاء، وبالعقل القانوني السليم. وبلغ الانحدار بالبعض حدّ تحميل أهالي الضحايا مسؤولية هذا التعيين بذريعة أنهم لم يعترضوا سابقًا على عضويّة الشخص ذاته في مجلس الجمارك، فيما التزم آخرون صمتًا قاتلًا، باستثناء وزير العدل الذي اكتفى بتسجيل تحفظ خجول لا اعتراض. وهذا الصمت، في قضايا بهذا الحجم، لا يمكن اعتباره حيادًا أو تريّثًا، بل هو تواطؤ فعليّ، لأن الصمت عن الظلم مشاركة فيه، والتقاعس عن قول الحق شكل من أشكال الإسهام في تكريس الانتهاك.
إن هذا التذرّع بقرينة البراءة يسقط قانونًا ومنطقًا وأخلاقيًا، لا لأن هذه القرينة تنقلب إلى قرينة مسؤولية جزائية بحق الشخص المعنيّ، فذلك غير صحيح قانونًا، بل لأن استدعاء قرينة البراءة لتبرير تعيين إداريّ وسياديّ هو استدعاء في غير محلّه أصلًا، ويشكّل خلطًا مفاهيميًا جسيمًا بين قواعد العدالة الجزائية ومتطلّبات إدارة الشأن العام.
أولًا: قرينة البراءة مبدأ إجرائيّ قضائيّ لا قاعدة أهلية إدارية
قرينة البراءة هي مبدأ إجرائيّ قضائيّ محض، وُضع لتنظيم العلاقة بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، ولضمان ألّا يُدان أيّ شخص جزائيًا قبل صدور حكم قضائي مبرم. وهي، بطبيعتها ووظيفتها، لا تُنشئ مركزًا قانونيًا إيجابيًا، ولا تُكسب صاحبها حقًا مكتسبًا، ولا تُرتب أهلية تلقائية لتولّي الوظائف العامة، ولا سيّما المواقع السيادية والحسّاسة.
فالوظيفة العامة لا تقوم على منطق "الحق الشخصي"، بل على منطق الملاءمة المشروعة المشدّدة، وتخضع لمعايير أعلى من تلك المطبّقة على الأفراد العاديين، تشمل النزاهة، والسمعة العامة، وانتفاء الشبهة، وصون ثقة المواطنين بالمؤسّسات. ومن ثمّ، فإن الشخص قد يكون بريئًا جزائيًا، ومع ذلك غير صالح إداريًا أو أخلاقيًا لتولّي منصب معيّن، من دون أن يُشكّل ذلك أيّ مساس بقرينة البراءة أو أي حكم مسبق بالإدانة.
ثانيًا: واجب التحفظ وحياد الإدارة كقيد دستوري مستقلّ
يخضع شاغلو المناصب الإدارية العليا لواجب التحفظ ولمبدأ حياد الإدارة، وهما قيدان دستوريان مستقلّان عن القانون الجزائي، لا يتوقف تفعيلهُما على ثبوت الإدانة، بل يكفي لقيامهما وجود شبهة جدّية تمسّ المنصب أو الإدارة أو طبيعة الوظيفة.
وفي الحالة الراهنة، لا يمكن اعتبار مديرية الجمارك إدارة محايدة عن جريمة تفجير المرفأ، بل هي أحد المحاور الأساسية في الوقائع موضوع التحقيق، بحكم مسؤولياتها المباشرة أو غير المباشرة عن إدخال المواد الخطرة، وتخزينها، ومراقبتها، والتحذير من مخاطرها. ومن ثمّ، فإن تعيين شخص مُدّعى عليه في هذا الملف على رأس هذه الإدارة يُشكّل تضارب مصالح بنيويًا، وخرقًا فاضحًا لمبدأ الحياد، ويقوّض الثقة العامة بالإدارة، ويُعرّض مشروعية التعيين للطعن من زاوية عيب الملاءمة الجسيم.
ثالثًا: قرينة البراءة لا تُعطّل مبدأ الوقاية الدستورية
الدولة الحديثة لا تنتظر صدور الأحكام الجزائية النهائية لتتخذ تدابير تحفظية، بل تعتمد مبدأ الوقاية، خصوصًا في القضايا التي تمسّ السلامة العامة، والأمن المجتمعي، وثقة الناس بالمؤسّسات. ومن الثابت في الفقه الإداري أن الإدارة غير ملزمة بانتظار الحكم الجزائي لتمنع تعيينًا أو تُنهي مهمة أو تُبعد شخصًا عن موقع حسّاس، متى توافرت أسباب جدّية تبرّر هذا التدبير.
ومن هنا، فإن منع تعيين مشتبه فيه في موقع سياديّ ليس عقوبة، بل تدبيرًا وقائيًا مشروعًا يهدف إلى حماية التحقيق، ومنع التأثير غير المشروع عليه، وصون هيبة الإدارة وصدقيتها. وهذا التدبير لا يفترض ثبوت الذنب، بل قيام خطر معقول ومبرّر.
رابعًا: قرينة البراءة لا تُلغي المسؤولية السياسية والأخلاقية
حتى في أكثر الأنظمة احترامًا لحقوق الإنسان، تبقى المسؤولية السياسية والأخلاقية أوسع نطاقًا من المسؤولية الجزائية وسابقة عليها. فالمعيار في الشأن العام ليس فقط: هل أُدين الشخص؟ بل أيضًا: هل ما زال أهلًا لتحمّل الثقة العامة؟ وهل ينسجم وجوده في المنصب مع كرامة الموقع ومع متطلّبات الشفافية والنزاهة؟
ومن هنا، نفهم استقالة أو إقصاء مسؤولين كبار في فرنسا وألمانيا وبريطانيا بمجرد فتح تحقيق جدّي بحقهم، احترامًا لكرامة المنصب وثقة الرأي العام، من دون انتظار أيّ حكم قضائي. ففي فرنسا، أُقصي رئيس الحكومة السابق فرنسوا فيون عن الحياة السياسية وعن السباق الرئاسي بمجرّد فتح تحقيق جدّي بحقه. وفي ألمانيا، استقال الرئيس الاتحادي كريستيان فولف فور توجيه اتهامات له باستغلال النفوذ، احترامًا لمقام الرئاسة وثقة الرأي العام. وفي بريطانيا، استقالت وزيرة الداخلية أمبر رَد بسبب تضليل البرلمان، من دون أي إدانة جزائية، التزامًا بمبدأ المسؤولية السياسية والأخلاقية.
خامسًا: ازدواجية فاضحة في استعمال قرينة البراءة
إذا كانت قرينة البراءة تُستدعى اليوم لتبرير تعيين إداريّ، فلماذا لا تُطبّق على آلاف الموقوفين احتياطيًا الذين تجاوزت مدد توقيفهم الحدود القانونية؟ ولماذا لا تمنع توقيفهم لسنوات بلا محاكمة؟ ولماذا لا يعيّن هؤلاء الأشخاص في مراكز إدارية حسّاسة؟ ولماذا لم تحمِ شخصيات أخرى من الإدانة المعنوية والسياسية قبل أي حكم قضائي؟ فلماذا مثلًا لم يُعد تعيين رياض سلامة في موقعه أو في منصب وزاريّ، كوزير مال مثلًا، استنادًا إلى قرينة البراءة؟ لقد سُفك دمه المعنوي، وأعلنت إدانته في كلّ صعيد وهو لم يُحاكم بعد، فأين كانت قرينة البراءة حينها؟ ولماذا لم تدافع عنه الطبقة السياسية تطبيقًا لمبدأ قرينة البراءة المرفوعة رايته الآن؟
إن هذه الانتقائية تُشكّل خرقًا صارخًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وانحرافًا في استعمال السلطة، وتُسقط عن هذا الخطاب أيّ صدقية قانونية أو أخلاقية.
سادسًا: جسامة الجريمة تفرض معيارًا أشدّ لا أوسع
كلّما عظمت الجريمة، اشتدّ واجب التحفظ، وارتفع معيار النزاهة، وضاق هامش التساهل. وفي جريمة بحجم تفجير مرفأ بيروت، ذات الطابع الكارثي والأبعاد الوطنية والدولية، فإن أيّ تساهل في التعيينات لا يُعدّ تطبيقًا لقرينة البراءة، بل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التناسب، ولمبدأ تضارب المصالح واستخفافًا بحقوق الضحايا وبذاكرة الوطن.
سابعًا: في ردّ اللوم عن أهالي الضحايا
أمّا تحميل أهالي الضحايا مسؤولية عدم الاعتراض سابقًا على عضوية الشخص المعنيّ في مجلس الجمارك، فهو قول معيب قانونًا وأخلاقيًا، لأن تلك العضوية سبقت الجريمة، بينما التعيين الحالي أتى بعد الادّعاء والتحقيق. وبدل لوم الضحايا، كان الأجدر بالمسؤولين منع هذا التعيين والامتناع عن السير في ركب منظومة التعيينات السياسية احترامًا للعدالة ولأبسط قواعد الكرامة الإنسانية.
الخلاصة
كفى تلطّيًا خلف قرينة البراءة. فهذا المبدأ لم يُنشأ لتغطية التعيينات والمحاصصات أو لحماية المنظومات، بل لحماية الأبرياء وضمان المحاكمة العادلة.
قرينة البراءة لا تُنشئ حقًا في التعيين، ولا تُسقط الشبهات، ولا تُعطّل واجب التحفظ، ولا تُبرّر إهانة العدالة وحقوق الضحايا. ولا عدالة في دولة تُدار كغنيمة، لا كدولة قانون.
مستشار معتمد لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي
أستاذ محاضر في القانون الدولي الجزائي والإجراءات الجزائية الدولية في جامعة ستراسبورغ ـ فرنسا
محام عام أسبق في المحكمة الخاصة بلبنان
محام بالاستئناف والنقض