لم تكن الساعة السادسة وسبع دقائق مساء ذلك الثلاثاء من العام 2020 مجرد لحظة في تقويم الزمن، بل كانت الحدث الفاصل بين حَياةٍ أُعدِمت وثوانٍ حَوّلت بيروت إلى ركام.
اهتزت العاصمة بأحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ المعاصر، وفي تلك اللحظة بالذات، لم يسقط المرفأ وحده، بل سقطت معه كل أشكال الدولة، وغاب ضمير المسؤولين الذين يقفون على هرم الحكم.
في 4 آب، افترش الشهداء الطرقات وتكدس الجرحى في ممرات المستشفيات التي فقدت أسرتها ونوافذها.
أطفالٌ أُحيلت مواعيدهم مع الطفولة إلى يُتمٍ أبدي، وأمهاتٌ فُجعن بأكبادِهن، ورجالٌ قادهم الواجب والضمير ليكونوا ضحايا فاجعة هزت الوجدان العالمي ولم تحرك ساكناً في نفوسِ حكامها. وقعت الكارثة، وبقي السؤال الملعوق يُدمي القلوب: من المسؤول؟ من المسبّب؟ من المقترف ومن يقف وراء هذا الدمار؟
سنوات مرت، ولا جواب يروي غليل الثكالى، وكأن الحقيقة صُرِف عنها النظر بأمرٍ مجهول.
ملامح المدينة تغيرت في ثوانٍ؛ ضاعت الأحلام العمرية تحت الحجارة، وتدمرت الصروح الطبية، حتى أضحى الأطباء والممرضون يداوون الأجساد الممزقة على أرضيات مواقف السيارات وعلى أضواء الهواتف المحمولة.
جثثٌ تُكدّس في العتمة، وثلاجات الموتى تفيض بالأسماء والأرقام، وأصواتٌ تائهة بين الدخان والأنقاض تبحث عن أمل: "أين أطفالي؟ أين زوجي؟ أين زوجتي؟ وأين أنا من هذا الكابوس؟".
لو حدث ربع هذه الفاجعة في أي بقعة من العالم، لتهاوت حكومات وانتهت عهود سريعًا، إلا في لبنان. استمر المسؤولون في مناصبهم دون ادنى حياء أو استقالة، وتبرأوا من الدماء التي تلطخ أيديهم، بل سارعوا لإلقاء التهم على صغار الموظفين ليجعلوا منهم كبش محرقة. أظهرت الفاجعة سلطة تجردت من الإنسانية، لم تسقط من أعين حكامها دمعة واحدة على قهر شعبهم.
والأنكى من ذلك، استغلال السلطة للانقسام المذهبي لشق صفوف أهالي الضحايا وضياع الحق، فاختفت الحقيقة وسط العصبيات الطائفية وتراشق التهم. ست سنوات مضت ولم يبقَ سوى الذكرى، والوجع، والقهر المخزون في الصدور.
رُمّمت البيوت والمحال، وتصلحت الطرقات، وتلاشت الشواهد إما بالتجاهل أو بإخفاء معالم الجريمة.
وحدها "الأهراءات" الصامتة الشاهدة على الفاجعة، ووحدهم عوائل الشهداء ما زالوا يحيون الذكرى، يحملون صور أسرارهم، وينتظرون عدالة وحقيقة... ربما يُراد لها ألا تأتي أبداً.