الياس دمّر

أمل وحبّ ومواجهة في "نجوم الأمل"

5 دقائق للقراءة

في فيلم "نجوم الأمل" (عنوانه العالمي "A Sad and Beautiful World") قدّّم الكاتب والمُخرج سيريل عريس واحدًا من أكثر العروض السينمائيّة تأثيرًا في موسم المهرجانات العالميّة الأخير. عملٌ تحوّل سريعًا إلى حديث النقاد والجمهور، خصوصًا بعد عرضه العالمي الأوّل ضمن قسم "Giornate Degli Autori" في "مهرجان البندقيّة السّينمائي الدوليّ"، حيث نال "جائزة اختيار الجمهور". كما حاز الفيلم "جائزة اليُسر لأفضل سيناريو" في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي" الأخير. وفي ذلك شهادة واضحة على تواصل رسالة الفيلم مع المُتلقين من مُختلف الثقافات، من دون المساومة على رؤيته الفنيّة.

يقدِّم الفيلم الذي رشحه لبنان لتمثيله في فئة "أفضل فيلم عالمي" في "جوائز الأوسكار"، قصّة حبّ تمتدّ عبر ثلاثة عقود بين "نينو" و "ياسمينا"، شخصيّتين تجمعهما علاقة مُعقدة، تتقاطع مع التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في لبنان.


حبّ في عالم مضطرب

للوهلة الأولى، قد يبدو الفيلم رواية حبّ تقليديّة، لكن سرعان ما يتبيّن أنه أكثر من ذلك بكثير. عريس يصوغ في أولى محطّاته الروائيّة الطّويلة، عملًا يمزج بين الكوميديا الرّقيقة والدراما العميقة، في محاولةٍ لصياغة سردٍ شخصيّ عن الوطن والحياة والعلاقات في عالمٍ لا يرحم. تتصدّى الحكاية الكبرى في الفيلم لسؤالٍ محوريّ: هل يُمكن أن يستمرّ الحب والأمل وسط واقعٍ مليءٍ بالاضطرابات؟ ويأتي هذا السّؤال ليتقاطع مع حياة الشخصيّتَين الرئيسيّتَين: "نينو" الرّجُل المرح والمحبّ للتفاؤل، و "ياسمينا" المرأة الحذرة والواقعيّة. هذا التناقض بينهما لا يُقدَّم كتضادٍ سطحيّ، بل كتمثيلٍ لطريقة تعامل الإنسان مع الحياة في ظلّ الظروف القاسية التي يعيشها مُحيطهما. ويأتي المزج بين اللّحظات المرحة وتلك المؤلمة، لكي يمنح الفيلم صدًى إنسانيًا نادرًا في كثيرٍ من الرومانسيّات السينمائيّة، خصوصًا تلك التي تُقدَّم في سياقٍ اجتماعيّ مُعقّد. الفيلم لا يخشى إظهار التناقضات، ولا يسعى للتبني العدميّ أو التفاؤل "الدونكيشوتي"، بل يقف في الوسط، في تلك المساحة الضبابيّة بين ألم الواقع وجمال الذاكرة.

إيقاع الزمن والذاكرة والضحكات

يُظهر الفيلم تحكُّمًا لافتًا في لغة الصّورة والإيقاع السّرديّ. الانتقالات الزمنيّة بين مراحل حياة الشخصيّتَين تجري بسلاسة، ما يجعل لحظات الفرح والحزن مُتداخلة بشكلٍ يُذكّرنا أن الحياة نفسها ليست فصلًا واحدًا، بل نسيجًا من اللحظات المتضاربة. كما يتمكّن المُخرج من المزج بين العناصر الكوميديّة والدراميّة، مع الحفاظ على نبرة بصريّة مُتقنة بعدسة مدير التصوير جو سعادة، تُعبّر عن جوهر الحبكة أكثر من الإيهام أو التزيين.

روائيّة الفيلم التي تَشاركها المُخرج سيريل عريس مع الكاتبة بان فقيه، تعتمد على التفاصيل الصّغيرة في الحياة اليوميّة. تفاصيل مثل تلك اللّحظات التي يبدو فيها الضوء خافتًا أو حين تحضر موسيقى أنطوني صهيون كهمسٍ ساحر، فتزيد ثراء التجربة الشعوريّة.

أمّا الأداء التمثيلي، وخصوصًا مع مونيا عقل وحسن عقيل في دورَي "ياسمينا" و "نينو"، فيُشكّل منطلقًا أساسيًا في نقل روحيّة الفيلم. التفاعلات بينهما ليس مُبالغًا فيها، بل تتَّسم بالإحساس والتلقائيّة التي تُشعر المُشاهد بأنه يتابع علاقة حقيقيّة، مع توترات وصراع داخلي يزداد وضوحًا بمرور الوقت.

يُسجَّل للفيلم أيضًا، الأداء اللّافت للممثلين الصّغار أليكس شويري، ومحمّد فرحات، وفالنتينا هاشم، الذين ينجحون في منح الحكاية عمقها العاطفي من دون افتعال أو إفراط. حضورهم يأتي طبيعيًّا، خاليًا من المُبالغة، ويعكس وعيًا داخليًّا نادرًا في أداء مُمثلين في هذا العمر. من خلال نظراتهم وحركاتهم، يُقدّمون شخصيّات نابضة بالصّدق، تُجسّد البدايات الأولى للأمل والحلم معًا. أداؤهم لا يبدو مُكمّلًا للدراما، بل عُنصرًا أساسيًّا في بناء الحسّ الإنساني للفيلم، ويؤكّد نجاح الرؤية الإخراجيّة في التعامل مع الطّفولة لا كمرحلة سرديّة، بل كذاكرة حيّة تؤسّس لما سيأتي لاحقًا.


عمق وواقعيّة

فيلم "نجوم الأمل"، عملٌ سينمائي بالغ العُمق، يتحرّى علاقة الإنسان بوطنه، واقعيّته وأمله في مُستقبل أفضل عبر علاقة حبّ تمتدّ ثلاثة عقود. والفيلم ليس مُجرَّد قصّة حبّ، بل هو مرآة لحياة مجتمع يعيش بين التناقضات، ويُقدّم مثالًا نادرًا على كيف يُمكن للسّينما أن تجمع بين الهمّ الإنساني والبُعد الفني بطريقة مؤثرة وموحَّدة. قد يُجادل البعض على أن التحوّلات بين الكوميديا والدراما تأتي في لحظات متباينة، ما قد يُفقد الفيلم توازنه بين الواقعيّات القاسية واللّمسات الخفيفة. لكن هذه التباينات جزء من روح الرؤية نفسها. الحياة ليست خطًّا مستقيمًا، بل مزيجًا من النسق العاطفي المُعقد. إنه فيلم يستحق القراءة والنقد والمُناقشة على صفحات السّينما والثقافة، ليس فقط لِكونه يُمثل لبنان في السّاحة الدوليّة، بل لأنه يفتح بابًا أوسع لطرح كيف يُمكن للسّينما أن تُجسّد فكرة العيش في لبنان حيث الحياة جميلة وحزينة في آنٍ واحد.

في مواجهة درجة الحرارة المُتدنية تجدون دفء المُشاهدة في قصّة حب استثنائيّة، تشاهدونها في جميع صالات السّينما اللبنانيّة.


ملصق الفيلم