جورج جميل مجاعص

أهمية أهراءات القمح والبديل عنها

8 دقائق للقراءة

"ممكن إزالة القمح المهترئ من حول الصوامع، لكن مصير القمح الحقيقي لا يزال مجهولًا"

حسنًا فعلت الدولة بازالة القمح المهترئ من محيط أهراءات مرفأ بيروت والذي سقط نتيجة الأنفجار الضخم الذي حصل في ذلك اليوم المشؤوم من 4 آب 2020. لكن ماذا عن الأهراءات المتصدعة التي اصبحت شاهدة على جريمة العصر.

نبذة تاريخية عن الأهراءات التي كانت لمدة خمسون عامًا، من أهم المنشآت الصناعية في منطقة الشرق الأوسط.

وضع حجر الأساس لمبنى الأهراءات في 16 ايلول من عام 1968 في عهد الرئيس شارل حلو، وتعود فكرة إنشائها لرجل المصارف الراحل يوسف بيدس الذي لم يحالفه الحظ بأن يرى حلمه قد تحقق. تم بناء الاهراءات تحت إشراف مجلس المشاريع الكبرى وبتمويل من دولة الكويت، وقد تم بناؤها على ثلاث مراحل أولها 24 مخزنًا سعة الواحدة 2500 طن وارتفاع 48 مترًا، تلاها اضافة 18 مخزنًا حتى أصبح مجموع المخازن 42 وسعة 105000 طن. أضيف عام 1997 ستة مخازن مما زاد كمية الاستيعاب الى 120000 طن. كانت مادة البناء الأساسية الخرسانة المضادة لماء البحر خاصة الأساسات المدعمة بالركائز، التي ثبتت داخل طبقة من الردم بسماكة 11 مترًا على ضهر الطبقة الصخرية. شهدت الأهراءات عدة حروب ولكنها بقيت صامدة الى أن أتى ذلك اليوم المشؤوم. كانت حصيلة هذا الانفجار الذي يعتبر الثالث من نوعه وليس بواسطة قنبلة نووية 220 قتيلًا (ولا يزال هذا الرقم يتصاعد)، 6000 جريح و300،000 بدون مأوى، ناهيك عن تدمير مساحة شاسعة من المنطقة الشرقية المحاذية للمرفأ، بما في ذلك بعض المستشفيات والمدارس والعمارات الشاهقة و70% من البنى التحتية في المنطقة المجاورة. أما منشآت المرفأ فقد دمرت كليًا، خاصة مبنى الاهراءات الذي كان على بعد أمتار من المستودع رقم 12 والذي كان يحتوي على كمية نيترات الأمونيوم. لقد تحملت الاهراءات وطأة الاصطدام في مركز الكارثة مما منع موجات الصدمة من الوصول الى المناطق المأهولة على طول الساحل الغربي للمدينة. انهارت الاسطوانات المواجهة للشرق وبقيت جزئيا" تلك المواجهة للغرب.

ما هو الوضع الحالي للأهراءات؟

بعد عدة استكشافات ميدانية، لم يحصل أي تقدم تقني يذكر الا أخيرًا، بعد أن قامت شركة Amann  وهي شركة سويسرية سبق وأن بدأت بالمسح الميداني بعد الانفجار وأنهت تقريرها منذ شهر، وقد تخلل المسح الميداني الدقيق مستشعرات الميل (Tilt sensors , digital analog & inclinometer) وأعطت تقريرًا خلاصته بأن نصف المبنى من الناحية، الشمالية في وضع خطر، أما الجنوبي فهو متماسك مع بعض التحفظات. بعض ما جاء في التقرير بطريقة جد مختصرة مع اجابات على بعض الأسئلة كما يلي :

• ممكن الابقاء على القسم الجنوبي وهدم القسم الشمالي ولكن ذلك يتطلب استخدام معدات فائقة الامتداد من أجل تفكيك دقيق وآمن للكتلة الشمالية.

• اذا تم هدم الاهراءات كليًا، لا يمكن إنشاء أي مبنى جديد في نفس المكان اطلاقًا. أحدث الانفجار حفرة بمقياس 100 بـ 100 متر وعمق يصل الى 6 أمتار، وبالتالي فإن المكون الجوفي للانفجار ضخم جدًا، لذلك دمّر قسمًا كبيرًا من الركائز الخرسانية التي بنيت عليها الصوامع مما يجعل دق ركائز جديدة بين الصوامع المحطمة مستحيلا".

هل هدم الاهراءات هو الحل المناسب؟ هذا يعتمد على قرار الحكومة وطبعا" أهالي الشهداء وجميع الذين تضرروا من هذا الانفجار، خاصة في ضوء تعثر التحقيق الحالي الذي لا يزال غامضا" ومتأخر جدًا جدًا . اما الحل الوسط فيبقى في ابقاء القسم الجنوبي وازالة القسم الشمالي. اذا اعتمد هذا القرار، فهذا يتطلب دراسة وافية وخاصة عدم التفكير باستعمال المتفجرات والاعتماد على وسائل هدم ميكانيكية مع رافعات تستطيع الوصول الى مسافات بعيدة لا تهدد العامل البشري.

بديل الاهراءات

في ضوء ما تقدم ومن أجل اعادة تأهيل المرفأ للفترة القريبة العاجلة، يمكن اعتماد الخطة التالية خاصة وضع الاهراءات والبديل عنها:

• إزالة جميع المنشآت المتضررة وتنظيف الأرض من الحطام خاصة في محيط الاهراءات.

• إعادة بناء القسم المتضرر من الحوض الثالث رصيف رقم 9.

• في عالم متطور وبطريقة سريعة جدًا، يتبين يومًا بعد يوم بأن الطرق الحديثة لشحن الحبوب وإفراغها في الموانئ لا تتضمن انشاء اهراءات ضخمة كالتي كانت قائمة في مرفأ بيروت والتي أصبحت شيئًا من الماضي خاصة في بلد صغير مثل لبنان. لذلك يقترح اقامة مستوعبات جديدة / اهراءات محدودة الاستيعاب في مكان بعيد عن موقع الآهراءات الحالي، والمكان المقترح هو الزاوية الجنوبية من حوض رقم 3، وتحتل مكان المستودعات 15 و21 سابقًا. تتألف المستوعبات الجديدة من 6 صوامع سعة كل واحدة 10,000 مترمكعب، ومصنوعة من الحديد المجلفن بدل الخرسانة من أجل تسريع إنشائها مع أقل كلفة ممكنة. يتم تفريغ القمح من البواخر في مخزن طولي ثم يجري ضخها في الصوامع، وسيتم تغطية وحماية جميع التجهيزات داخل مبنى شبيه بالمستودعات التي كانت في المرفأ. يجب التذكير بأن تفريغ البواخر مباشرة الى الشاحنات، تعتبر عملية مكلفة جدًا من ناحية وقت انتظار السفن في المرفأ، ناهيك عن تنظيم عملية التفريغ التي لا يمكن أن تكون سهلة عندما يتعلق الامر بالشحنات الكبيرة.

• تبين أخيرًا عن وجود مستودعات في تل عمارة في البقاع وعددها 8 ومساحة كل واحدة 1250 مترًا مربعًا، مع امكانية اضافة نفس العدد في المستقبل ليصبح 16، كما صرح رئيس مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية . يعتبر هذا الحل مناسبًا لما يواجهه لبنان من أزمات اقتصادية حاليًا، فهذه الستودعات صممت خصيصًا لتخزين القمح ويمكنها بعد تجهيز المستودعات الجديدة استيعاب 400,000 طن من القمح الموضب في أكياس أو 200,000 طن من دون توضيب. فالمطلوب ايجاد حل سريع في ضوء الأحداث المحلية والعالمية التي تتعلق بالوضع المعيشي، آخذة بعين الاعتبار الامور المستجدة حاليًا خاصة بأن استيراد الحبوب من روسيا و أوكرانيا والذي يبلغ حوالي 70% من الاستهلاك المحلي ، لن يكون متوفرا" لمدة طويلة. كما ذكر سابقا"، هذه المستودعات المحلية سيتم دعمها بالمستوعبات التي ستبنى في المرفأ من أجل تلبية السوق المحلي، بالاضافة الى المستودعات المحدودة بالقرب من مرفأ طرابلس والتي ستلبي قسمًا من منطقة الشمال. ان توزيع التخزين مقارنة بانتاج القمح والحبوب كما أوضحه رئيس مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية سيتم بناءً على خطة متكاملة تحت اشراف وزارة الزراعة ومصلحة الابحاث الزراعية .

للتذكير، ان المسافة بين المرفأ وتل عمارة هي 61 KM وتستغرق تقريبًا 120 دقيقة على طريق ضهر البيدر. 



رسم تعبيري من وحي انفجار 4 آب 2020





مخطط المرفأ مع التعديلات المحدودة



الذكرى الأليمة

نعود الى مبنى الاهراءات والاقتراح التالي لترتيب المنطقة المتضررة والحاقها بخطة تأهيل المرفأ. كما ذكر سابقًا ومن أجل الابقاء على قسم من المنشآت المتضررة والتي لا سبيل لترميمها اطلاقًا، وابقاء قسم منها لتجسيد هذه الذكرى الأليمة كما يلي:

• هدم القسم المتصدع ( الشمالي ) وابقاء القسم الآخر (الجنوبي). يستعمل حطام القسم الشمالي لردم الحفرة المحاذية بعد اصلاح حائط رصيف رقم 9.

• تقام قاعدة حول القسم الجنوبي كما هو بارتفاع متر ونصف عن الأرض الطبيعية مع مسافة حوالي 8 أمتار حول المبنى.

• التأكد من ازالة الأجزاء الغير ثابتة على المبنى قبل ردم او تحضير القاعدة أو المصطبة.

• بعد أن تجهز القاعدة، يتم تلبيسها بالجرانيت الأسود ويحفر عليها اسامي الشهداء باللغتان مع تفصيل عن الانفجار.

• تثبيت قواعد إنارة حول القاعدة وحول الاهراءات.

• يتم زراعة أشجار في محيط القاعدة على عدد الشهداء في نفس المكان الذي كان يحتوي على أشجار سابقًا وتضررت بفعل الانفجار.

• تثبيت أعلام لبنانية وسوداء على زوايا القاعدة.

• نقل المبنى المخصص للركاب الى رصيف رقم 7 قرب قاعدة الاهراءات لتكون ضمن الحديقة المستحدثة.

الخلاصة

ان الخطة التي تم شرحها سابقًا تنحصر تفاصيلها في إيجاد حل لمبنى الاهراءات المدمر، وتاليًا، تجهيز مستوعبات لاستقبال القمح المستورد من الخارج لدعم مستودعات البقاع، على أمل أن تكون نقطة انطلاق لاعادة تفعيل واحياء المرفأ بالكامل حتى يعود مرفأ بيروت لسابق عهده كأهم مرفأ في المحيط الشرقي للبحر الابيض المتوسط.



منظور من الناحية الجنوبية



التصميم المقترح لمبنى الاهراءات وحديقة الشهداء


Ref:

• Port of Beirut Assessment / Final Report / US Aid, February 2021

• Monitoring the Beirut port silos/ Sahar Ismail & Wassim Raphael, 2021

• Hidden Architecture / Beirut grain silos / Gioia Sawaya

• Beirut port silos / Interim report on Structural Health monitoring – March 2022 Amman.

• ِAgricultural Research & Scientific Department


مهندس معماري