لم تعد موازنة 2026 تشبه المشروع الذي قدّمته حكومة نواف سلام إلى المجلس النيابي. ما خرج موازنة معدّلة إلى حدّ الانفصال عن أصلها، حتى استحقت لقبًا جديدًا هو "موازنة الثنائي". فالتعديلات لم تكن فقط كثيرة، بل جاءت متناقضة في الشكل والمضمون، وأحيانًا خارجة عن النص الدستوري، تمرّ عبر فتاوى مفصّلة على قياس التسويات، تارة تحت الطاولة وطورًا فوقها، مقابل صمت مريب من رئيس الحكومة الذي لم يدافع حتى عن موقف حكومته، وترك الكلام لوزير المال وحده.
في كواليس الموازنة، لم يكن المشهد أقل التباسًا. والتعديلات لا يمكن تبريرها بحاجات تقنية أو تصحيحية، بل بميزان قوى داخل المجلس النيابي أعاد رسم الموازنة وفق مصالح سياسية واضحة.
الأخطر كان في المخالفة الدستورية الصريحة المتمثّلة برفع سقف اعتمادات الموازنة العامة بنحو 400 مليار، في خرق واضح لمبدأ دستوري ثابت يمنع المجلس النيابي من زيادة الاعتمادات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ جرى نقل اعتمادات من احتياطي الموازنة المخصّص لتسيير شؤون الدولة في الحالات الطارئة إلى اعتمادات ثابتة لوزارات وهيئات، ما عدّل البنية الكلية للموازنة وقوّض قدرة الحكومة على التعامل مع المستجدات الكبرى خلال السنة.
ومن بين هذه التحويلات ما يعادل نحو 99 مليون دولار صُرفت إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة ووزارة الصحة. وهي جهات يعرف الجميع كيف تُدار فيها الأموال العامة، إما بغياب شبه كامل للرقابة أو بحضور شكلي لا يمنع الهدر ولا يحدّ من الزبائنية. والمفارقة أن وزير الصحة نفسه، خلال مناقشة موازنة وزارته في لجنة المال والموازنة، لم يطلب هذه الزيادة، بل قال صراحة إنه ليس بحاجة إليها، قبل أن يبادر نواب الثنائي والحزب التقدمي الاشتراكي إلى الإصرار عليها، وكأن القرار سياسي لا إداري.
ولم تقف الفوضى عند حدود الأرقام. أُضيفت مواد قانونية إلى متن الموازنة من دون المرور بمجلس الوزراء، في تجاهل صريح لنص دستوري واضح يفرض مصادقة الحكومة على مشروع الموازنة بأكثرية الثلثين. كما أُدرج عدد كبير من الإعفاءات والرسوم الضريبية، وقد جرى تسويقها على أنها تهدف إلى زيادة الواردات، فيما هي عمليًا غطاء لتغطية نفقات أُضيفت إلى الموازنة من خارج أي منطق مالي سليم.
عادة ما يُعدّ التصويت على الموازنة تصويت ثقة بالحكومة. لكن في حالة موازنة 2026، يصبح التصويت ضدها دفاعًا عن الحكومة لا العكس، لأن الموازنة التي أُقرّت لم تعد موازنة الحكومة أصلًا. من هنا، صوّت التيار الوطني الحر ضد الموازنة باعتباره في صفوف المعارضة. لكن اللافت كان موقف قوى محسوبة على خط دعم الحكومة، إذ صوّتت القوات اللبنانية ضد الموازنة، فيما امتنعت الكتائب عن التصويت، وتوزّعت بقية القوى المؤيدة للحكومة بين الامتناع والرفض والتأييد. جميعها وجدت نفسها عالقة بين مبدأ دعم حكومة تعتبرها ضرورة وبين موازنة ضربت صلاحيات هذه الحكومة من أساسها.
أما الثنائي وحلفاؤه، فقد صوّتوا مع الموازنة بلا تردّد، في أكبر دليل على إحكام قبضتهم على أموال الدولة لعام 2026. قبضة اكتملت على وقع صمت مريب من رئيس الحكومة، الذي ترك وزير المال يؤدي مهمته حتى النهاية، وكأن رئاسة الحكومة اختارت الغياب في اللحظة التي كان يُفترض أن تكون فيها في صلب المواجهة.
هكذا، لم تكن موازنة 2026 مجرد أرقام، بل كانت اختبارًا للسيادة الدستورية فسقطت، وامتحانًا لدور الحكومة فغابت، لتتحوّل في المحصلة إلى وثيقة سياسية توثّق كيف تُدار الدولة بالتسويات لا بالقانون