في مثل هذا اليوم، 31 كانون الثاني 1990، أقدم رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك وقائد الجيش ميشال عون على ارتكاب واحدة من أخطر الجرائم السياسية والعسكرية في تاريخ لبنان الحديث، حين شنّ ما عُرف بـ"حرب الإلغاء" ضدّ "القوّات اللبنانيّة". لم تكن تلك حربًا لتحرير لبنان، ولا معركة سيادة أو كرامة، بل كانت حرب إلغاء للذات، وإلغاء للمجتمع المسيحي، وإلغاء لما تبقّى من مقوّمات الدولة اللبنانية.
تحت شعارات فارغة وكلمات رنّانة عن الكرامة والسيادة، زُجّ الشباب المسيحي في حرب عبثية بين أبناء البيت الواحد، فسال الدم المسيحي على أيدي الخوارج عن المسيحيين، وتحوّلت المناطق المسيحية إلى ساحات دمار وخراب، فيما كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى وحدة الموقف في مواجهة الاحتلال السوري والوصاية المفروضة على الدولة.
لم تدمّر حرب الإلغاء "القوّات اللبنانيّة" كما توهّم عون وأنصاره، بل دمّرت المجتمع المسيحي نفسه، وقضت على ما تبقّى من تماسكه السياسي والعسكري، وفتحت الأبواب مشرّعة أمام دخول جيش النظام السوري إلى المناطق المحرّرة. وبقرار عون، أو بتهوّره السياسي والعسكري، سقط آخر ما تبقّى من خطوط الدفاع عن المناطق المسيحية، فدخل الجيش السوري، وبدأت مرحلة سوداء من الوصاية والقمع والاعتقالات والنفي.
الأكثر فداحة في المشهد، ليس فقط إطلاق حرب مدمّرة بلا أفق ولا رؤية، بل النهاية المذلّة لمن أشبع اللبنانيين خطابات بطولية عن "القبطان الذي لا يترك السفينة"، وعن أنّه إمّا أن ينتصر أو يموت في وزارة الدفاع. وما هي إلّا 40 دقيقة من بدء المعركة الحاسمة، حتى فرّ هاربًا إلى السفارة الفرنسية، تاركًا جيشه، ووزارة الدفاع، والضباط والعسكريين والمدنيين لمصيرهم. سقط القناع سريعًا، وانكشفت الهوّة بين الخطاب والواقع.
هكذا انتهت "أسطورة القائد والقبطان"، هروبٌ مذلّ، ولجوءٌ سياسي، وتخلٍّ فجّ عن الجنود والشعب، فيما تُرك المسيحيون يدفعون ثمن مغامرة شخصية مدمّرة، لا علاقة لها لا بالتحرير ولا بالسيادة ولا بالكرامة الوطنية ولا بتوحيد البندقية.
اليوم، بعد كل هذه السنوات، يظهر الفرق الصارخ بين مشروعين ومسارين:
مشروع شخصي مبني على الأنا والمغامرة والخراب، انتهى بصاحبه في غياهب النسيان السياسي، خارج أي تأثير فعلي في المعادلة الوطنية، ومشروع مقاوم سياسيًا وتنظيميًا صمد في وجه القمع والسجون والنفي والاغتيالات، وبقي حاضرًا في وجدان الناس وواقعهم.
القوّات اللبنانيّة، التي استُهدفت يومها في حرب الإلغاء، لم تُلغَ. بالعكس، خرجت من تحت الركام أكثر حضورًا، وأكثر تجذّرًا في المجتمع، وأكثر تمثيلًا في الحياة السياسية. هي اليوم تمثّل الشريحة الأوسع من اللبنانيين داخل بيئتها، والكتلة النيابية الأكبر داخل المجلس النيابي، وحضورها الشعبي في تصاعد مستمر، لأنها لم تكن يومًا مشروع فرد، بل مشروع قضية ومؤسسة وخيار سياسي واضح.
بين من اختار الهروب عند أول اختبار فعلي، ومن اختار البقاء في المواجهة السياسية والوطنية مهما كانت التضحيات، يظهر الفرق بين زعامة ظرفية عابرة، ومسار نضالي وسياسي طويل.
حرب الإلغاء سقطت، ومَن أطلقها سقط معها. أمّا القوّات اللبنانيّة، فبقيت… لأن القضايا لا تُلغى، ولأن الشعوب لا تموت بمغامرة، بل تستمر بمن يدفع ثمن الصمود بدل ثمن الهروب والخضوع والإنبطاح... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"