في منتصف التسعينيات عدت إلى لبنان بعد سنوات طويلة من الهجرة. عند أحد الحواجز العسكرية طُلب مني التوقّف جانباً بعيداُ من سيارتي الحمراء القديمة. وكان لونها اللافت وحالتها الشكلية كافيين لخلق الشك. بدأ أحد الجنود بتفتيشها بدقة لافتة، من الصندوق إلى تحت المقاعد حتى في أضيق الزوايا. بعد أن انتهى نظر إلي وقال بهدوء: واضح إنك مش من هون، أكيد عايش برا.
كان محقًا. لكن ما فاجأني هو كيف عرف. سألته، فابتسم وقال:
"فتّشت السيارة من جوّا كلّها وما لقيت غير نفايات، محارم كلينكس مستعملة وعلب مشروبات فارغة. لو كنت عايش هون كانت السيارة نظيفة من الداخل وكل شي بينرمى من الشباك."
ضحكت يومها. الجندي كان ذكيًا وسريع الملاحظة ويتمتّع بحس ساخر نادر. لكنني غادرت الحاجز وأنا أفكّر بشيء واحد. كم هو مؤسف أن يكون أقصى ما يُتاح لشخص بهذه الفطنة هو تفتيش السيارات. المشكلة لم تكن فيه، بل في بلد لا يعرف كيف يستثمر بقدرات أبنائه.
قال ونستون تشرشل يوماً "أسوأ أشكال الضعف أن تعرف ما يجب فعله وتختار ألّا تفعله."
هذا القول يصف حال لبنان اليوم بدقة. الخلل معروف والحلول ليست سرّاً، لكن القرار مؤجَّل. وكلّ تأجيل إضافي لا يحمي البلد بل يستهلك ما تبقّى منه.
في كلّ مرة تُطرح مبادرة خارجية لمساعدة لبنان نتعامل معها كأنها خشبة خلاص، فيما تستخدمها المنظومة لشراء وقت إضافي. إعلان قطر دعمها للبنان مثال واضح. الدعم بحد ذاته ليس المشكلة، بل تحويله إلى بديل عن القرار السيادي. فالدول تتحرّك وفق مصالحها وتسعى إلى تهدئة التوتر حيث يمكن ولبنان ليس استثناءً. غير أن ما يفيد الآخرين لا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤولية غائبة.
الاستعجال الحقيقي اليوم ليس مالياً. هو سيادي. لا دولة تُنقَذ قبل أن تبسط سلطتها على كامل أراضيها. ولا إصلاح يُؤخذ على محمل الجد قبل حصر السلاح بيد الدولة وحدها. من دون هذا الأساس يبقى أي دعم خارجي مسكّناً مؤقتاً لا أكثر.
مرّ أكثر من عام على هذا العهد وسبقته سنوات من مطالبات دولية واضحة بانتشال لبنان من موقع الدولة الفاشلة. ومع ذلك ما زالت الوجوه نفسها ممسكة بالقرار. الوجوه نفسها التي تتحدّث باسم الإصلاح وتعمل في الممارسة على تعطيله، فيما يدفع الناس الثمن من أعمارهم وأرزاقهم.
الأكثر وقاحة أن السلطة نفسها التي سمّت الحكومة تلازمها في كلّ خطوة. لا للمحاسبة ولا لضمان حسن الأداء، بل للتأكّد من ألّا تنجح. تُكبَّل الحكومة كي لا تحكم ويُشلّ القرار كي يبقى الواقع على حاله حفاظاً على امتيازات لم تعد تخدم سوى الفشل.
في المقابل، يتصرّف من يُديرون المجلس النيابي وكأن مهمتهم الأساسية شراء الوقت. ينتظرون أن يتعب من يطالب بالتغيير في الداخل أو أن تتغيّر الظروف في الخارج. وفي الكواليس يجري الحديث عن تقاسم الأدوار وأي دعم مالي قد يأتي من المجتمع الدولي، لا لإنقاذ الدولة، بل لتثبيت النفوذ داخل كلّ بيئة.
أخطر ما أصاب النظام اللبناني ليس الخلاف بل التوافق. فهو القاعدة غير المعلنة التي ثبّتت حكم القبائل وشلّت الدولة إلى أجل غير مسمّى.
وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة وهي زيارة كانت مقرّرة قبل أسابيع ثم أُلغيت. هذا التفصيل بحد ذاته كاشف. فالدعم الدولي للمؤسسة العسكرية مستمر والاهتمام بدورها قائم، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يُقال في الخارج، بل ماذا يُسمح بتنفيذه في الداخل. فالعلاقة مع الخارج لا تُقاس بعدد الزيارات بل بقدرة الدولة على تحويل الدعم إلى سيادة.
لا سيادة بلا دولة، ولا جيش بلا قرار.
في هذا المشهد وُضع الجيش في موقع بالغ الحساسية. يُستدعى ليقف بين السياسيين والناس الغاضبة فيتحوّل عملياً إلى أداة وُضعت لاحتواء الشارع بدل أن يكون درع الدولة. والمفارقة أن من يحتمي بالجيش هو نفسه من يتحكّم بمسارات التعيين والترقية داخله، ما يخلق علاقة تبعية غير معلنة ويُبقي الجندي في موقع الدفاع عن منظومة لا عن دولة.
وهنا لا بد من قول ما يجب قوله بوضوح. جنودنا يستحقون الاحترام لا الاستنزاف. دورهم ليس أن يكونوا شرطة دائمة في وجه شعبهم بل جزءاً من مشروع وطني يحمي الدولة ويخدم المجتمع. الأمن الحقيقي لا يُبنى بالحواجز وحدها بل بفرص العمل وبالتعليم وباقتصاد مُنتج.
ربع ما يُنفق اليوم على مؤسسة عسكرية مقيّدة القرار، سواء من الخزينة أو من المساعدات الخارجية، يكفي لبناء جيل كامل من الشباب المتعلّم القادر على العمل والإنتاج بدل إبقائه رهينة أدوار لا تُنصف قدراته.
برامج تعليم مهني وطنية مجانية تمتد لسنتين في مجالات تقنية، والذكاء الاصطناعي والهندسة والإدارة والمالية الحديثة قادرة على تحويل شبابنا من عناصر احتواء إلى مساهمين فعليين في الاقتصاد داخل لبنان أو خارجه.
تلك الحادثة على الحاجز بقيت عالقة في ذهني سنوات. لا لأنها طريفة بل لأنها اختصرت ما نفعله بأفضل ما نملك. نحبس الذكاء في أدوار ضيقة ثم نتساءل لماذا يفشل البلد.
لكن أي مسار يبقى ناقصاً ما لم يُحسم السؤال عن الدولة. لا يمكن لجيش أن يقوم بدوره طالما قيادته وتعييناته خاضعة لإرادة سياسية. النموذج الممكن في لبنان واضح وقابل للتطبيق. مؤسسة عسكرية مستقلة مهنياً تخضع لسلطة الدستور والحكومة مجتمعة لا للأحزاب ولا للزعامات. تعيينات داخلية على أساس الكفاءة. محاسبة واضحة. أوامر تصدر وفق القانون فقط. وسلاح واحد حصري بيد الدولة.
حينها فقط يصبح السلاح خارج الدولة أمراً منتهياً. وحينها فقط يتحرّر الجندي من دور الشرطي ويستعيد معناه كحامٍ للوطن. وربما في بلد كهذا لا تُهدر فطنة جندي ذكي على حاجز بل تُستثمر حيث تُبنى الدول وتُصان كرامة الناس.
هكذا تبدأ الدولة، من هنا.