التاريخ في معناه الأعمق هو استذكار للوقائع، التي من خلالها نصل إلى الجوهر لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. من هذا المنطلق، جاءت دراسة "إخوة الألم - العلاقة بين الموارنة والشيعة في لبنان" الصادرة في كتاب عن "دار سائر المشرق"، لتسلّط الضوء على مسار طويل ومعقد من التفاعلات بين طائفتَين تُعتبران محور النسيج اللبناني. إنه مسار اجتماعي وسياسي وثقافي شديد التعقيد، تتداخل فيه العوامل والتأثيرات من المحلّي والإقليمي والدولي، بالديني والسياسي، والخوف بالهُوية.
من خلال فصول هذه الدراسة التي وضعها الأستاذ الجامعيّ طارق أحمد شمس، يتبيّن لنا كيف أن المآسي التي مرّ بها كلّ من الموارنة والشيعة منذ نشأتهم، أسهمت في صقل شخصيّتهم الجماعية، وتكوين التصوّر الذاتي كجماعتَين مضطهدتَين، تبحثان عن الأمان أوّلًا، وعن التحالف مع قوّة محلّية أو إقليمية أو دولية، كخيار وجودي ناتج عن هاجس متراكم تاريخي بالخوف من التفرّد أو الإقصاء.
الدولة اللبنانية وعلاقتها مع الشيعة
مع قيام "دولة لبنان الكبير" في الأوّل من أيلول 1920، ونشوء الجمهورية 1926، وانتخاب أوّل رئيس للجمهورية شارل دبّاس، بدأت العلاقة بين الموارنة والشيعة تتخذ شكلًا مختلفًا، فالدولة الوليدة كانت مقبولة عند معظم الشيعة، بينما رفضها البعض الآخر من الثوريّين المتأثرين بالثورة العربية الكبرى، إلّا أن هذه العلاقة تطوّرت خلال مرحلة الانتداب (الرئيس إميل إدّه)، ومرحلة الاستقلال (الرئيس فؤاد شهاب)، ومرحلة الحرب (الرئيس بشير الجميّل).
I - إميل إدّه وموقفه من الشيعة
الموقف الشيعي الإيجابي من قيام "لبنان الكبير"، كان ينتظر ملاقاة مارونية من الجهة المقابلة، وهو ما حصل في العام 1936 عندما قرّر الرئيس إميل إدّه تحسين مواقفه المتشدّدة تجاه المسلمين، وقد أتى موقف إدّه المنفتح على المسلمين بعد أن عقدت الزعامات السنية مؤتمرًا عرضت خلاله فكرة التخلّص من الانتداب الفرنسي والدعوة إلى الوحدة بين سوريا ولبنان، ولم يكن الأرثوذكس بعيدين عن هذا اللقاء، كما أن البطريرك الماروني أنطوان عريضة انتقد علنًا سياسة فرنسا الاقتصادية التي تمارسها في لبنان.
هذه العوامل المتسارعة أقلقت الشخصيّات المارونية والفرنسيّين، وهو ما دفع بإميل إدّه الى التراجع وتغيير توجّهه تجاه المسلمين. وقد يكون موقفه هذا نتيجة لضغط فرنسي، حيث افتتحت هذه المرحلة من خلال اتفاق عُقد مع زعيم طرابلس السني خير الدين الأحدب سنة 1937، من خلال تعيينه رئيسًا للحكومة، وأكمل مسيرة الانفتاح على المسلمين من خلال الاتفاق مع زعيم البقاع الشيعي صبري حمادة باختياره رئيسًا لمجلس النوّاب، ليكون بذلك أوّل من كرّس رئاسة الجمهورية من خلال اتفاق ثلاثي: ماروني – سني – شيعي، ما زال مستمرًا إلى اليوم.
تنبّه الموارنة إلى الكمّية العددية للشيعة، فهذه الطائفة ورغم ضعفها الاقتصادي والسياسي في تلك المرحلة، ورغم الحرمان والتخلّف الذي عانته طيلة مئات من السنين، والاضطهاد من قبل الأتراك، إلّا أن موقعها العددي، وموقفها المتردّد من الوحدة مع سوريا - ولو بشكل مبطّن، جعلها حليفة للموارنة أو متشابهة معهم من ناحية الخوف على الوجود.
II- فؤاد شهاب والشيعة
مع وصول قائد الجيش فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية (1958 - 1964)، بدأت مرحلة جديدة من التطوّر عرفتها الطائفة الشيعية. وقد ساهمت عدّة عوامل في تشكّل الوجود السياسي – الاقتصادي - العلمي - الديني للشيعة، ومنها:
أ- النزوح الداخلي: من الجنوب والبقاع باتجاه ضواحي العاصمة بيروت.
ب- النزوح نحو الخارج: الاغتراب باتجاه القارّة الأفريقية.
مع عودة الاغتراب الشيعي، وإرسال الأموال إلى بعض العائلات المقيمة، تشكلّت الحلقة الأولى من البرجوازية الشيعية التي ظهرت من خلال:
- العلاقة مع المصارف اللبنانية.
- الدراسة في الجامعات.
- تبوّؤ بعض الشيعة المراكز في الدوائر الرسمية والوزارات في الفئتَين الثانية والثالثة.
هذا التطوّر السياسي والاجتماعي السريع الذي عرفته الطائفة الشيعية، يعود إلى عدّة عوامل، منها:
الهوّة التي ظهرت بين عامّة الشيعة والزعامات الاقطاعية التقليدية، التي حكمت الطائفة عدّة قرون، وهي حالة طبيعية، مع ظهور البورجوازية الشيعية من جهة، وبروز شخصية السيد موسى الصدر من جهة ثانية.
يوضح الخازن دور الطائفة الشيعية في تلك المرحلة: "كان مسار الطائفة الشيعية مختلفًا عن مسار الدروز والموارنة، أوّلًا في ظلّ الإمارة ومن ثمّ في عهد المتصرّفية الذي سبق لبنان الكبير، في أواسط الأربعينات، عندما نال لبنان استقلاله، لم يكن قد أصاب التنظيم الاجتماعي الشيعي تغيير كبير إذا قورن بأوضاع الطوائف الأخرى... في عقد الستينات، بدأت الطائفة الشيعية تختبر تغييرًا سياسيًا متزايدًا؛ ففي تلك المرحلة أخذ الشيعة ينتقلون بأعداد كبيرة إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية والشمالية. كما بدأت في تلك المرحلة الثروات الاغترابية الجديدة لأفراد الطائفة تفعل فعلها بشكل ظاهر في شؤون الطائفة، كذلك ارتفعت نسبة المتعلّمين وأخذت الحركة الاجتماعية منحاها صعدًا".
ومع وجود الشهابية المتمثلة بالرئيس فؤاد شهاب في سدّة الرئاسة، استفاد السيّد موسى الصدر من العلاقة الخاصّة التي ربطته مع الرئيس شهاب، بل إنه سارع إلى زيارة الرئيس مع وفد من علماء الطائفة الشيعية، إثر محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 1962، التي قام بها "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، "وأبدوا استعدادهم للعمل كرؤساء روحيّين على مساندة أيّ مسعى لتوحيد جهود العاملين لحفظ عزة لبنان واستقلاله".
يقول الأستاذ باسم الجسر حول تلك العلاقة بين شهاب والشيعة: "إن فؤاد شهاب اقتنع أنه يجب إنقاذ الطائفة الشيعية من الحركات اليسارية الثورية التي هي بالنتيجة، بنظرهم، تدين بالولاء للخارج، وإنقاذهم أيضًا من الوضع الإقطاعي. وكان شخص مثل الإمام الصدر بعمله الاجتماعي والتثقيفي والتوعوي، يمكن في نظرهم أن يكون الحلّ، وهذا يبرهن، إلى حدّ ما، أن يقال، بأوّل انطلاق حركة السيّد في صُور، أن الأجهزة الشهابية كانت تساعد أو تنفتح أمامه، أنا أعرف أن الأجندة الشهابية التي تتعاطى السياسة لا تتعارض معه، بل كانت تنظر إليه، وإلى حركته بعين العطف، من منطلق العداء لليسار الثوري والإقطاع".
كان الرئيس شهاب مدركًا أن لبنان ليس بمنأى عن تأثيرات الجوار العربي – الإسلامي، في ظروف الوحدة المصريّة – السورية، وشخصية الزعيم المصري جمال عبد الناصر وتأثيرها، ووجود قوّة كبرى هي الاتحاد السوفياتي (ضمن ما أطلق عليه اسم "الحرب الباردة")، والامتداد السريع للفكر والحزب الشيوعي داخل المجتمع اللبناني.
حاول الرئيس شهاب انتزاع فتيل الانفجار الداخلي، خصوصًا أن "أحداث 1958" كانت إنذارًا لا يُستهان به، فالثورة الداخلية على الرئيس كميل شمعون لم تكن بخلفيّة "الحرب الباردة" فقط، بل ظهر أن عددًا كبيرًا ممّن حملوا السلاح كانوا على عداء مع الموارنة الذين احتكروا السلطة، واستفادوا من الميزانية العامّة للدولة في تنمية بعض المناطق على حساب الأطراف... إنه الحرمان الذي بدأ يشعر به المسلم اللبناني – خصوصًا في الضواحي والأطراف، حيث الأغلبية المسلمة.
هذا الحرمان دفع بأهل الجنوب والبقاع – الهرمل للانتقال نحو العاصمة، فتشكّلت ضاحية بيروت، وامتدّ الوجود الشيعي إلى داخل العاصمة، وبما أنّ هؤلاء كانوا من الطبقة العاملة الفقيرة، وجدت الأفكار اليسارية والثورية والتغييرية قبولًا عندهم.
والعلاقة مع الإمام السيّد موسى الصدر كانت ضمن هذا الإطار العام، بل تطوّرت لتصل إلى تحدّي الإقطاع الشيعي من خلال الانتخابات الفرعية في النبطية، حيث دعم السيّد الصدر المرشح رفيق شاهين (الشهابي) مقابل المرشح كامل علي أحمد المدعوم من الرئيس كامل الأسعد. كان لفوز رفيق شاهين بفارق كبير في عدد الأصوات، بداية تراجع الإقطاع الشيعي أمام تيّار شيعي آخر زاحف يقوده السيّد الصدر، وقد ظهر ذلك من خلال قيام أكثر من 400 شخصية شيعية منهم الأطبّاء والمهندسون والمحامون ورجال الأعمال والصحافيّون، بزيارة دعم وتأييد للسيد الصدر إثر هذه الانتخابات.
علاقة الإمام الصدر بالرئيس فؤاد شهاب والدولة اللبنانية، هي علاقة إيمان أن الشيعة هم جزء لا يتجزأ من لبنان، كما يعبّر الرئيس نبيه برّي: "إن الإمام الصدر في توجّهاته انطلق من أساس أن بين الشيعة ولبنان ميثاقًا أبديًا، حيث أن الشيعة كانوا منذ أن كان لبنان، وأن الشيعة كانوا من لبنان منذ أن كان؛ عمّروا سهوله، كما عمّروا جباله، عصموا جنوبه كما شرقه وشماله، عاشوا معه في السرّاء والضرّاء، فسقوا تراب لبنان من دمهم، كما رفعوا في سمائه ألوية مجد. شارك الشيعة في اخضرار لبنان، وقادوا ثوراته فلم يعتدوا السيوف...".
