المخرج رمال أبي يونس والدكتورة سالي حمود

الإعلام الرقمي في لبنان... يٌحوّل الميكروفون من سُلطة الى سَلطة

10 دقائق للقراءة

في لبنان لم يعد الإعلام مرآة للواقع، بل أصبح في كثير من الأحيان هو من يصنعه، ولم يعد السؤال من يتكلّم؟ بل من يُحاسَب على ما يُقال. فخلال العقد الأخير ومع الانفجار الرقمي الهائل، خرج الإعلام من إطاره التقليدي وإنتقل الى فضاء مفتوح بلا سقف. من المؤسسات وغرف التحرير، انتقل إلى شاشات الهواتف، فانهارت الحدود بين الصحافي والهاوي، بين التحليل والرأي، بين الخبر والإعلان، فأصبح كل من يملك هاتفاً وحساباً على منصة قادراً على التأثير، على النقاش، وعلى تشكيل الرأي العام. لكن هذا التحوّل الذي بدا في بداياته كمساحة حرية غير مسبوقة، سرعان ما كشف عن وجه آخر، فوضى بلا معايير وتأثير بلا مسؤولية.

ما نشهده اليوم ليس مجرد فوضى عابرة، بل تحوّل بنيوي نقل الإعلام من كونه مهنة الى كونه نشاطاً مفتوحاً بلا تعريف.

تاريخياً كان الإعلام في لبنان، رغم كل عيوبه محكوماً بضوابط وبقواعد المؤسسات، ترخيص، هيكليات تحريرية، ومساءلة نسبية. اما اليوم هذه المنظومة الرصينة باتت تضمحل مع ظهور الدكاكين التي تحاول كسر هيبة الإعلام والتقليل من دوره.

هذا التحوّل، رغم ما يحمله من فرص، أدى إلى نشوء حالة من الفوضى الإعلامية، وتداخل الاختصاصات، وغياب المساءلة، ما يهدد جودة المحتوى الإعلامي اليوم ويؤثر سلباً على الرأي العام. ويهدف هذ ا المقال إلى اقتراح إطار تنظيمي متكامل لقطاع الإعلام الرقمي، يضمن حرية التعبير ضمن ضوابط مهنية وقانونية، ويحوّل القطاع إلى صناعة منتجة، تساهم بجزء صغير في الاقتصاد الوطني. فنحن نريد ان يبقى الإعلام سُلطة لا ان يتحول الى سَلطة.

الدستور اللبناني كفل في مادته الثالثة عشرة حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة ضمن حدود القانون. وهذا المبدأ شكّل دائماً حجر الأساس في الحياة الإعلامية اللبنانية، لكن الإشكالية اليوم لا تكمن في وجود الحرية، بل في غياب الإطار الذي ينظمها

فالفضاء الرقمي، بخلاف الإعلام التقليدي، نشأ وتوسع خارج أي منظومة قانونية واضحة، ولم يعد هناك تعريف دقيق لمن هو “إعلامي” ولا حدود فاصلة بين الرأي الشخصي والعمل الإعلامي، ولا آليات واضحة للمساءلة، فأي نقاش جدي ينطلق من نقطة أساسية وهي حرية التعبير لكن المشكلة لا تكمن في الحرية، بل في الفراغ الذي يحيط بها، وهذا الفراغ خلق واقعاً جديداً، محتوى سياسي يُنتج خارج أي إطار مهني، تمويل غير معلن يمر عبر منصات رقمية، رأي عام يتشكّل دون أي مساءلة، والحرية هنا لم تعد مهددة بل أصبحت مُستَخدمة بلا ضوابط ومفتوحة إلى حدّ الفوضى.

جميعنا يعلم ان كل واحد لديه منبر وكل منبرعنده ممول، وكل ممول لديه أجندة. فالسياسة تُباع، والتحليل يُفصّل حسب الطلب، والحقيقة تُركن جانباً مثل بضاعة ليس لديها زبون. ثم جاءت الثورة الرقمية. فلم تُحرّر الإعلام بل فَكّت آخر ضوابطه. ألقاب تُمنح بلا معايير ومنصّات تُفتح بلا مسؤولية والمشهد أصبح أشبه بسوق خضرة. والشيء الأخطر ان من لا علاقة له بالمجال أصبح خبيراً فيه، فشينيستا تناقش الجغرافيا السياسية، شوفير تاكسي يشرح توازنات الإقليم، وشيف مطبخ يحلّل طبخات السياسة، وطبيب بيطري يفكك خرائط النفوذ… وفي هذا الضجيج، تختفي الحقيقة ويضيع المختص بين أصواتٍ أعلى منه لا أعمق.

ليس عيباً أن نتكلّم، لكن الكارثة أن يصبح الكلام بديلاً عن المعرفة، وهنا يقتضي التوضيح والتنويه، أنا مع الطبيب البيطري ان يكون صانع محتوى ومؤثر في مجاله، ومع الفانشينيستا أن تكتب وتصور وتنشر وتسوق لمنتجاتها، وهذا يفتح أبواب الأنتشار والشهرة الرقمية للجميع. لكن من الغير مقبول أن نرى من (ملَ) من إختصاصه ورأى في الإعلام شهرة سريعة، أن يلقب نفسه بالإعلامي، ويجاهرعلينا ويخبرنا بفلسفته الدونية، محاولا كسر جميع أطر المعرفة واصول المهنة، وهو وللأسف لا يفقه بأصول الإعلام وأخلاقه شيء... فهذا غير مقبول في بلد سيد وصانع للإعلام التقليدي.

يمتلك لبنان أحد أقدم قوانين المطبوعات في المنطقة، لكن هذا القانون صيغ لمرحلة تاريخية مختلفة تماماً، هو قانون وُلد في زمن الصحف المطبوعة، لا لزمن الخوارزميات اليوم، الذي تصنع فيه مقاطع الفيديو القصيرة رأياً عاماً خلال دقائق، وهي أسرع من نشرة أخبار تأثيراً. فاليوم المنصة الرقمية قد تملك تأثيراً يفوق أي وسيلة إعلام تقليدية، ومع ذلك يبقى صانع المحتوى خارج الإطار القانوني، الذي يُخضع الصحافي للمساءلة، وهذه الفجوة خلقت واقعاً خطيراً وتأثيرا واسعا دون أي تعريف قانوني واضح.

ويزيد من تعقيد هذا المشهد دخول الذكاء الاصطناعي على خط الإعلام الرقمي، لا كأداة مساعدة فحسب، بل كلاعب مستقل يُنتج المحتوى ويُوزّعه ويُؤثّر في الرأي العام. فإذا كان السؤال اليوم من يُحاسَب على ما يُقال؟ فإن الذكاء الاصطناعي يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً وأصعب إجابةً، إذ بات بالإمكان إنتاج مذيع افتراضي يتحدث العربية بطلاقة، أو بودكاستر رقمي بهوية مخترعة، أو صوت سياسي مُصنَّع لا وجود له خارج الشاشة. وفي بلد كلبنان تتشابك فيه الروايات وتتعدد مصادر التمويل، فيصبح التزوير الذكي للمحتوى تهديداً حقيقياً لا افتراضياً. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتسريع الأخبار الكاذبة، بل يجعل صنعها أرخص وأكثر إقناعاً وأصعب كشفاً.

غير أن هذا التحدي بحد ذاته يفتح باباً لم يُطرق بعد، وهو إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن أي إطار تنظيمي للإعلام الرقمي. فكما فرض الإعلام الرقمي إعادة النظر في قوانين المطبوعات، يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم صياغة بنود قانونية جديدة تُلزم بالإفصاح عن أي محتوى مُنتَج أو مُعدَّل بالذكاء الاصطناعي، وتُحدد المسؤولية القانونية لمن يستخدمه، وتضع معايير واضحة تميّز بين التوظيف المهني لهذه التقنية وبين توظيفها أداةً للتضليل. أي قانون لتنظيم الإعلام الرقمي لا يتضمن هذا البُعد سيكون ناقصاً منذ كتابته.

لبنان لا يحتاج إلى إغلاق المنابر بل إلى تنظيمها كما في دبي، فالمعلومة تُعطى من صاحب الاختصاص، والمنصة تُدار بمعايير، والصوت يُحاسَب كما يُسمع. ففي ظل هذا الفراغ، ظهرت فئات جديدة،

كالإعلام الرقمي: وهو كل محتوى إعلامي يُنشر عبر الإنترنت أو المنصات الرقمية

صانع محتوى: وهو كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم بإنتاج أو نشر محتوى رقمي بشكل منتظم

مؤثر: وهو كل شخص يمتلك قاعدة متابعين ويؤثر على الرأي العام أو سلوك الجمهور

بودكاستر: وهو كل من يقدم برامج صوتية أو مرئية عبر المنصات الرقمية

مسوق اعلامي أو إعلاني: وهو كل شخص يقوم برسم خطة تسويقية لمحتوى إعلامي او إعلاني، والهدف إستهداف جمهور معين بإيصال معلومة خبر او إعلان له عبر منصات التواصل الإجتماعي.

فجميع من ذكرت مسمياتهم يمارسون دوراً إعلامياً رقميا فعلياً، لكن دون أي ترخيص، أو تأهيل، أو التزام بمعايير مهنية ولا أحد يعرف من الذي يمول؟ ما هي الخلفيات؟ أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟ والنتيجة كانت مفتوحة والأصوات تتكاثر والقيمة تتراجع.

وأخطر ما في هذا المشهد ليس الفوضى بحد ذاتها، بل ما يجري خلفها، محتوى سياسي ممول دون إعلان، رسائل موجهة تُقدّم كآراء مستقلة، ومنصات تتحول إلى أدوات تأثير ناعمة دون أي رقابة في هذه البيئة، ولا يصبح السؤال ما الحقيقة؟ بل من يقف خلف هذه الحقيقة؟ وهنا تحديداً، يصبح غياب الشفافية تهديداً مباشراً للرأي العام.

أمام هذا الواقع، يطرح مشروع قانون تنظيم الإعلام الرقمي وصنّاع المحتوى مقاربة مختلفة، وليس قمعاً للحرية بل تنظيماً لها، والفكرة الجوهرية بسيطة، كل من يمارس تأثيراً إعلامياً، يجب أن يخضع لمسؤولية إعلامية، ويقترح المشروع إنشاء سجل رسمي لصنّاع المحتوى لدى وزارتي التكنولوجيا والإعلام، وفرض نظام ترخيص يحدد طبيعة النشاط الذين يودون ممارسته، ويضعه ضمن إطار قانوني واضح، وهذا لا يعني تنظيم المنصات وكل من يود خوض غمار هذه التجربة، فالفرق كبير بين شخص يعبّر عن رأيه، و شخص يمارس دوراً إعلامياً يؤثر على الآلاف أو الملايين، فالأول هو حر أما الثاني فيجب أن يكون مسؤولاً.

فتنظيم هذا المجال يُحظرعلى أي شخص ممارسة نشاط الإعلام الرقمي أو صناعة المحتوى لأغراض عامة أو تجارية، دون الحصول على ترخيص رسمي من وزارتي التكنولوجيا والإعلام، ويشترط للحصول على الترخيص التسجيل القانوني في السجلات المختصة تقديم الشهادات وتحديد نوع النشاط الإعلامي الرقمي، والالتزام بمدونة السلوك المهني والمعايير وعندها تصدر وزارتي الإعلام والتكنولوجيا نظاماً خاصاً بتصنيف المحتوى إلى إعلامي، سياسي، اقتصادي، ترفيهي، إعلاني، طبي، إجتماعي، ديني... ويلتزم طالب الترخيص بإتمام دورات تدريبية معتمدة تكون بالتعاون مع تلفزيون لبنان، وتشمل أخلاقيات الإعلام، التحقق من المعلومات، القوانين الإعلامية، حيث تُمنح شهادات تأهيل رسمية كشرط أساسي لمزاولة النشاط، ويخضع صناع المحتوى لشروط وأحكام القوانين الإعلامية اللبنانية، بما في ذلك قانون المطبوعات.

وتنشأ وحدة متخصصة داخل وزارة الإعلام وبالتنسيق مع وزارة التكنولوجيا لمتابعة الإعلام الرقمي، تتولى مراقبة الالتزام بالقانون، وتلقي الشكاوى وإحالة المخالفات إلى الجهات القضائية المختصة، حيث تُفرض عقوبات على المخالفين وتشمل الإنذار، الغرامة المالية، تعليق أو سحب الترخيص، او تحويل الموضوع الى القضاء المختص حسب نوع الجرم المرتكب للمحاكمة، وهذا في محاولة لكسر واحدة من أخطر الظواهر الحالية، وهو الإعلام المموّه ففي عالم تُصنع فيه القناعات عبر الشاشة تصبح الشفافية شرطاً لحماية الجمهور.

ولا ينظر المشروع إلى الإعلام الرقمي كعبء، بل كفرصة وأثر متوقع، فعلى الدولة زيادة الإيرادات عبر الرسوم والضرائب، وتعزيز الرقابة دون قمع الحريات، أما على القطاع، رفع مستوى الاحتراف، خلق بيئة تنافسية عادلة، أما على المجتمع، تحسين جودة المعلومات، الحد من التضليل الإعلامي، وإعطاء الفرصة لأهل الإختصاص في أن يساهموا في نشر المعلومات المفيدة والتوعية التي هي جزء من إختصاصهم

فمن خلال رسوم التراخيص، الضرائب، وصندوق دعم الإعلام الرقمي، يمكَن القطاع من تامين مصدر دخل للدولة، ومساحة عمل منظمة للشباب، وصناعة إعلامية رقمية حديثة، وهذا التطور والتنظيم يساعد بالانتقال من فوضى غير مرئية إلى اقتصاد رسمي

أما في الوضع الحالي، يمكن لأي محتوى أن ينتشر دون أي تبعات، فهذا المشروع يعيد إدخال عنصر المساءلة، والقانون يعيد المعادلة إلى أصلها، من باب الإنذارات، الغرامات المالية، تعليق أو سحب الترخيص، وكل هذا ليس بهدف الردع فقط بل لإعادة تعريف الإعلام كمسؤولية ورسالة، لا كمساحة مفتوحة بلا حدود، وعلى كل من يريد أن يكون مرجعا للمشاهد، عليه أن يكون مسؤولا رصينا فهيما مدركا ومثقفا بالمجال الذي يحاور فيه

فضمن هذا الإطار ايضا، يبرز اقتراح إنشاء نقابة للإعلام والإعلان الرقمي، تكون المرجع لكل من يعمل في المجال الرقمي وهذه النقابة ليست مجرد إطار، بل محاولة لإعطاء هذا القطاع هوية، ومعايير، ومستقبلاً، وتنظيما للمهنة، وحماية للحقوق، ووضع معايير واضحة، وتمثيل القطاع محلياً ودولياً، لأن أي قطاع لا يملك إطاراً مهنياً، يبقى عرضة للفوضى، خاصة اذا كان مشروعا رقميا عبر الفضاء المفتوح السريع الإنتشار في الوصول الى الهدف المطلوب

لبنان اليوم ليس أمام نقاش تقني، بل أمام خيار واضح، إما أن يبقى الإعلام الرقمي مساحة مفتوحة بلا قواعد، حيث تختلط الحقيقة بالرأي، والتأثير بالمصلحة، وكل صوت يساوي أي صوت، أو أن يتحول إلى قطاع منظم يحفظ الحرية، لكنه يفرض المسؤولية. في بلد يُقال فيه كل شيء، قد تكون المشكلة ليست في كثرة الكلام، بل في غياب من يُحاسَب عليه. وهذا المشروع لا يقيّد أحداً، بل يضع الجميع أمام معيار واحد، فإذا أردت أن تتكلّم أنت حر، أما إذا أردت أن تؤثّر فيجب أن تكون مسؤولا

وهنا لا يبدو هذا المشروع مجرد قانون، بل محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة بين الإعلام والدولة، وببساطة بداية إستعادة دور وواجبات الدولة داخل الإعلام ودور وواجبات أهل الإعلام الحديث تجاه الدولة.

المخرج رمال أبي يونس والدكتورة سالي حمود