فادي بدران

ساحة الشهداء بين الذاكرة والنسيان

3 دقائق للقراءة
ساحة الشهداء في بيروت

ساحة الشهداء في بيروت ليست مجرّد مساحة عامة في قلب المدينة، بل هي مرآة لتاريخ لبنان الحديث، ومسرحٌ مفتوح لتجارب اللبنانيين المشتركة، من النضال والفرح، إلى الانقسام والألم. تعود جذور ساحة الشهداء إلى أواخر العهد العثماني، حين كانت تُعرف بساحة البرج، نسبة إلى البرج الدفاعي الذي كان قائمًا في الموقع وشكّلت الساحة آنذاك مركزًا حيويًا للتجارة والحياة الاجتماعية في بيروت، وملتقى للقوافل والمسافرين وأهل المدينة وارتبطت الساحة بفكرة الحرية والكرامة، وحملت اسمها تخليدًا لأولئك الذين أُعدموا على يد السلطات العثمانية عام 1916، فغدت رمزًا للتضحية في سبيل الاستقلال وبداية تشكّل الوعي الوطني اللبناني.

على مدى عقود، كانت ساحة الشهداء نقطة التقاء طبيعية للبنانيين من مختلف المناطق والانتماءات. فيها تلاقى سكان بيروت وزوّارها، واحتضنت المسيرات الوطنية والاحتفالات الشعبية، وكانت مساحة مفتوحة للمدينة بكل تناقضاتها وتنوعها. لم تكن الساحة ملكًا لفئة أو طائفة، بل مساحة جامعة تعبّر عن نبض العاصمة وروحها المدنية. غير أن الحرب الأهلية اللبنانية تركت أثرها العميق على الساحة، كما على سائر المدينة، فتحوّلت ساحة الشهداء من مكان للّقاء إلى خط تماس، ومن رمز للوحدة إلى شاهد على الانقسام والعنف.

بعد انتهاء الحرب، ورغم محاولات الإعمار، بقيت الساحة معلّقة بين الذاكرة والنسيان، حاضرة في الخطاب وغائبة في الحياة اليومية، من دون أن تستعيد دورها الحقيقي كفضاء جامع.

إعادة بناء ساحة الشهداء اليوم ليست مسألة عمرانية فحسب، بل فعل سياسي وثقافي وأخلاقي بامتياز. فإحياء الساحة يعني إعادة الاعتبار لفكرة الفضاء العام المشترك، حيث يلتقي المواطنون على اختلافهم، ويتشاركون المكان والذاكرة.

إن استعادة الساحة كمساحة حيّة ومفتوحة، قابلة للاستخدام اليومي، هي خطوة أساسية في إعادة بناء الثقة بين المدينة وسكانها، وبين اللبنانيين أنفسهم.

الأهم من ذلك، أنّ ساحة الشهداء يمكن أن تكون مدخلًا جديًا للتعامل مع الماضي والسَّير نحو المصالحة. فبدل طمس آثار الحرب أو تجاهلها، يمكن للساحة أن تتحوّل إلى مساحة للاعتراف والتأمل والحوار.

التعامل مع الماضي لا يعني إعادة فتح الجراح، بل الاعتراف بما جرى، واحترام ذاكرة الضحايا، وخلق مساحة تسمح للأجيال الجديدة بفهم تاريخ بلدها بعيدًا من الروايات المنقسمة.

إن إعادة إحياء ساحة الشهداء كملتقى وطني جامع هو خطوة رمزية وعملية في آنٍ معًا. فهي تعيد وصل ما انقطع بين الناس والمكان، وتؤكّد أن المصالحة تبدأ من الفضاء العام، ومن القدرة على اللقاء، والنظر إلى الماضي بشجاعة، وبناء مستقبل مشترك يقوم على الذاكرة، لا على النسيان.


*باحث في الذاكرة الحضرية وتاريخ بيروت