د. بولا أبي حنا

في ذكرى مار مارون: الموارنة بين التاريخ ومصير الدولة

4 دقائق للقراءة

في عيد مار مارون، لا أجد نفسي مدفوعة إلى كتابة مقال ديني ولا طقسي. القديس معروف، وسيرته محفوظة، والصلوات تُقام. ما يتغيّر هو الواقع، وما يفرض نفسه هو السؤال السياسي: لماذا نُدخل السياسة في ذكرى دينية؟ والجواب، ببساطة، أن هذا البلد يقوم أصلًا على نظام طائفي يجعل من الدين عنصرًا أساسيًا في الحياة السياسية، ومن الطوائف شركاء في الدولة لا جماعات روحية فقط. في لبنان، لا يمكن الفصل بين الذكرى الدينية والدور السياسي، لأن النظام نفسه قام على هذا التداخل.

عيد مار مارون، في هذا السياق، ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل مناسبة للحساب السياسي. الحساب ليس على الإيمان، بل على الدور. ليس على الماضي، بل على الحاضر. فالدولة التي ساهم الموارنة في تأسيسها تمرّ اليوم بأخطر مراحلها، والقلق لم يعد محصورًا بالنفوذ بل بالوجود، وبالحقوق، وبالمستقبل السياسي لطائفة كاملة داخل نظام ينهار من الداخل.

لا يمكن الحديث عن الدور الماروني من دون التوقف عند شخصيات لعبت أدوارًا مفصلية في تثبيت هذا الدور داخل الدولة. من البطريرك الياس الحويك، أحد مهندسي قيام دولة لبنان الكبير، إلى البطريرك نصرالله صفير، المرجعية السيادية في مواجهة الوصاية، وصولًا إلى شخصيات سياسية معاصرة حاولت، بطرق مختلفة ومتعارضة أحيانًا، الحفاظ على حضور الموارنة في المعادلة الوطنية، سواء عبر المشاركة في الحكم أو عبر المعارضة.

الموارنة كانوا ولا يزالون جزءًا أساسيًا من معادلة الحكم والدولة. المرحلة التي عرفت بـ"المارونية السياسية" لم تكن مجرد تمثيل طائفي، بل إدارة للدولة ومؤسساتها في سياق تحديات داخلية وإقليمية، ما أضفى على الدور الماروني بعدًا مركزيًا، ولكنه حمل معه أحيانًا مسؤوليات سياسية صعبة وإشكاليات مركبة.

صاغ الدكتور جورج قرم، في كتابه "الانفجار اللبناني: من المارونية السياسية إلى الحرب الأهلية"، مصطلح "المارونية السياسية" بطريقة تحليلية؛ فهو لم يقصد توصيف طائفة، بل توصيف نظام حكم لعب فيه الموارنة دورًا مركزيًا في إدارة الدولة ومؤسساتها واقتصادها وأمنها. وفي تلك المرحلة، لم تكن المارونية السياسية مجرد مشاركة في السلطة، بل تحولت، وفق كثير من التحليلات، إلى ما يشبه "الدولة العميقة"، حيث تداخلت مؤسسات الدولة الرسمية مع شبكات النفوذ السياسية والإدارية والاقتصادية.

هذه المرحلة، على الرغم من الإشكاليات، كانت أيضًا مرحلة استقرار نسبي للدولة وبناء للمؤسسات، وصياغة لدور لبنان في محيطه. فهي تكشف قوة الدور الماروني وحدوده عندما يتحول من شراكة وطنية إلى مركزية، ومن مسؤولية تاريخية إلى بنية مغلقة.

الأباتي بولس نعمان كتب أن المارونية ليست هوية سياسية بقدر ما هي رسالة روحية وثقافية في قلب الشرق، وأن الكنيسة المارونية لم تُولد لتكون كنيسة سلطة بل كنيسة شهادة. غير أن التاريخ، كما السياسة، لا يسمح للرسالة أن تبقى خارج الدولة، بل يفرض عليها الدخول إليها. والسؤال لم يكن يومًا: هل يدخل الموارنة السياسة؟ بل: كيف يدخلونها؟ وبأي منطق؟ وبأي مشروع؟

اليوم، في ظل انهيار الدولة اللبنانية، لم يعد النقاش حول المارونية السياسية نقاشًا تاريخيًا فقط، بل أصبح نقاشًا وجوديًا. فالخطر لم يعد في خسارة نفوذ، بل في خسارة حقوق، وفي تآكل موقع طائفة كاملة داخل نظام لم يعد قادرًا على حماية أحد. من هنا، يصبح الحديث عن إصلاح النظام السياسي، بل تغييره إذا تعذّر إصلاحه، ضرورة وجودية لحماية التوازن، وضمان الشراكة، ومنع تحويل أي طائفة إلى أقلية سياسية داخل وطن يفترض أن يقوم على المساواة بين جماعاته.

الموارنة، كغيرهم من اللبنانيين، يعيشون اليوم أزمة ثقة بالدولة وبالقدرة على التغيير من الداخل. الهجرة، تفكّك المؤسسات، ضعف المرجعيات، والانقسام السياسي، كلها عوامل تجعل السؤال عن المستقبل أكثر إلحاحًا من السؤال عن الماضي. لم يعد يكفي أن يكون للموارنة دور تاريخي في التأسيس، بل أصبح مطلوبًا منهم دور سياسي جديد في إعادة التأسيس: لا لدولة جديدة، بل لدولة عادلة، قابلة للحياة، وقادرة على حماية حقوق جميع مكوّناتها.

في عيد مار مارون، يصبح السؤال الأكبر عن دور الموارنة المؤسسي والريادي للبنان. لقد كانوا منذ قرون حجر الزاوية في مؤسسات الدولة وركائز استقرارها، واليوم، وفي مواجهة التحديات الحالية والتحوّلات الديموغرافية والسياسية، من الضروري أن يبقى هذا الدور حيًا، لا مجرد حضور رمزي أو طائفي. المستقبل لا يُصنع بالصمت أو بالتراجع عن الدور الوطني، بل عبر إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والحقوق والمساواة، مع الحفاظ على الريادة المؤسسية للموارنة.

أستاذة جامعيّة