يدخل كتاب "لأنها امرأة" للكاتبة كريستيان بلّان، والصّادر عن "دار سائر المشرق"، الحياة من بابها العريض، طارحًا التساؤلات حول تربية نتلقاها، تتحكّم بها عادات وتقاليد اجتماعيّة ودينيّة تجعل من الفرد كتلة من العقد المتفاوتة التأثير ولكن مترابطة ومتداخلة في ما بينها. وإن أراد الخروج منها اعتُبر يُغرّد خارج سربه! يُلقي الكتاب الضوء على وقع الحرب في النفوس والأذى المعنوي والنفسي لمن عاشها حتى بات عقاب الأقربين له والتسلّط عليهم، الدّواء الوحيد لإخفاء الفشل. كما وصعوبة بناء العلاقات السّليمة حتى في العائلة الواحدة، فما بالنا ببناء عائلة جديدة مع غريب لم يربطنا به غير الحبّ، وهل الحبّ كافٍ للاستمرار؟
هنا فصل من الكتاب.
... فمنذ اللحظات الأولى للّقاء، لا بل من اللحظة الأولى التي وقع نظرها على الحبيب يطلّ بين العائدين وقد استيقظ مستنفرًا على الرّغم من محاولاتها إخماد ناره. من البديهيّ أنها لم تفلح. وكيف تنجح في إسكاته؟ وهو الذي عانى ما عاناه من فقدٍ واشتياقٍ وبعد المسافات. وهو الآن يرزح تحت ضغط الخيانة المبطّنة في ممارسة حبّ كان على المدى صلاة بذاته! تعود لتقنعه أنّ ما من شيء أكيد إن لم يتمّ الكشف عنه! يتململ ويطأطئ رأسه ما بين رفض ورغبة في الإذعان لطبطباتها تفاديًا للخسارة وتهميشًا للشك. وأسفاه! يتسلّل الشك من ثقب صغير في الرّئتَين وينخرهما نخرًا حتى القضاء على قدرتهما في استعادة النفس. ويبقى إلى أن يصبح هو الحقيقة ووقع الحقيقة مؤلم!
لم يفح عطر حبّهما اليوم في الأرجاء؛ لا، ولم يبلسم جسده اليوم رغباتها؛ وعلى قدر اقترابه منها، على قدر ما كان ابتعاده واضحًا! كان بإمكانها تحسّس كلّ خليّة من خلاياه، والآن يصدمها انكماش النبض فيه. وتعشق الرّوح من يعشقها. فماذا لو لم يعد لها العشق مكتوبًا؟ ساد الصّمت السّرير وحلّ البرد ضيفًا غير مرغوب به! وعينان مؤجّجتان بالدّموع تأبى الرّضوخ للخذلان. تلفه بيدَيها العاريتَين وتشدّه إلى صدرها تدعوه إليها أكثر فأكثر، معلنة بحرارة وقوّة عدم قبولها الانسلاخ، موقعة صكّ التملّك ولو قسرًا! شدّها إليه كذلك في ردّ حسّي ملموس منه لإرادتها. مستسلمًا لها ومسلِّمًا ذاته لدفء حاضره.
يريدها، نعم يريدها، وما زال حبّه لها يشعل فيه النار وينير ظلمات وحدته. أوَلا يكفي ذلك؟ ألا يكفي أن يعبّر لها عن مكنونات قلبه ولو أبى جسده البوح! هو تعب من التجوال دون هوادة في فكرها؛ مرهق كذلك من اندفاعها وتفانيها في هيامه! يحملها معه أينما ذهب، تتجوّل في أرجائه، تنتهك خصوصيّة عقله وتفكيره حتى؛ فيعجز عن التخطيط لعمل دونما أن تأتي إليه بما تحمله صورتها من أبعاد ومشاعر ينبغي ضبطها ولو يصعب عليه ذلك. تعانقه ولا يمكنه الهروب منها، لا يريد الهرب منها ولا من ذلك الشعور الذي يولّده حضورها فيه. صادرت عقله وقلبه وكيانه ولم تترك له مجالًا للاختباء منها حتى. ولو أراد الاختلاء بذاته لبرهة يجدها أمامه ومعه وفيه. يجلس، فيراها في أحضانه؛ يقف، فتمسك يداها بيديه ويعانقها حضورًا في عينَيه؛ وإن أغلق عينَيه ليستعيد أنفاسه التي سرقتها وينأى بنفسه عن حالة فقدانه فيها، تبتسم له في أحلامه كما في يقظته، فيعيش معها اللّحظة كما وأنها هي اللّحظة، ويتمسّك بها خشية ضياعها منه ويغيب في كمّ ابتسامات وخطوط ألوان تفضح فيه تقلّبات أفكاره وأحوال عواطفه! لا يعرف كيف، ولكنه كلّما قرّر الابتعاد عنها، كلّما قرّبه الابتعاد منها أكثر! لا يستطيع مقاومة حبّها له ولا حبّه لها، وحاجته الملحّة لوجودها جنبه، تضعه في درب العودة إليها دائمًا حتى بات يقتنع أن لا مفرّ ممّا يعيشه إلّا بالارتباط الأبديّ فيشعرها بالاستقرار ويحمي نفسه من خوف يتملّكه ويهز كيانه كلّما سافر حتى يتأكّد أن طريق العودة حتميّ. فيرى بأمّ عينه لهفتها ويحسّ بها تتغلغل بين ضلوعه. لا يستطيع أن يحدّد ما الذي يقلقه في هذه اللحظة وهو في أحضانها تشبعه حبًّا وحرارة وأمانًا. هنا، بين يدَيها يعود طفلًا لا حدود لتخيّلاته فهي تحمله وتحلّق به وسع السّماء؛ تقفز به من غيمة إلى أخرى؛ يتمسّك بها بشدّة ويغوص في بحر عينَيها مستسلمًا لشهواتها وسحر جمالها؛ وهي، تسقيه حنانها أنهارًا متدفقة تطهّر روحه من شوائبها. فيذوب في الحلاوة عشقًا فيندفع إليها وفيها يمتصّ رحيق الورد من شفتَيها ومن كلّ جزَيئة من تكوينها.
وإذا به، كلّما أراد إخفاء قلقه عنها، كلّما شعرت به يبتعد أكثر ولو بتفكيره وينكمش أكثر في مشاعره. وقد اعتادت منه ذلك العطاء اللّامتناهي لنفسه كما جسده، تجده اليوم يميل للانسحاب الصّامت خلف ابتسامة رقيقة وشفافة... لطالما كان وجهه يرسم كلماته ويفضح أسراره لدرجة تجعلها تتصفح مكنوناته وتقرأ فيها ما لا يريدها أن تقرأ. فلِمَ اختلف الأمر اليوم؟ الآن بالتحديد، وفي معقل حبّهما وفي خضمّ وصالهما، يسيطر عليها شعور غريب بالرّعب من خسارة رجل حياتها. رعب من انكفاء روحها عنها دون أيّ فرصة لإنقاذها. يفقدها حالها القدرة على التعبير. ولوهلة تأخذها الرّياح بعيدًا منه، وتسرق منها عينَيه، وترميها في فراغ قاتم، تائهة عمّا يحفزها، ضائعة في سواد يخنقها حتى تلفظ نفسها الأخير. لم تستطع البقاء لتتمتع بالانتصار أو بالنشوة بين يدَيه اللّتَين تمسكان بها، تسمّرانها على السّرير، وجسده الملقى عليها بثقله المطوّع شهوة، يتقطّر عرقه نقطة نقطة فتعيدها للمشهد بعض من قطرات تصبّبت منه على وجهها لتطلق آهة من أعماق وجدانها مستسلمة بدون أيّ ضوابط. لا هي تريد البوح بمكنوناتها، كما ولا يعرف هو كيف السّبيل إليها! تتخبّط بهما أحاسيسهما ولا يدري كلّ منهما خطورة المسافة التي أوجدتها أفكارهما الخاطئة في قراءة الآخر! يخافان خسارة لا أرضيّة لها إلّا خوفهما من خسارة الواحد للآخر! وفضلا كتمان الألم الذي يعيشانه والتغاضي عمّا يجول بخاطرهما حفاظًا على ما لديهما. فما لا تعرفه عنه، إنها وإن كانت قادرة على إخفاء ما يخترقها من وجع ليتمكّنا من عيش لحظة شهوة، كذلك هو، قد يجمع الحزن ويغلّف الأسى بأوراق برّاقة مبهرة، فقط ليعيش بها، ويحيا معها اللّذة بتفاصيلها حتى الآهات الأخيرة! فما من نوم أهنأ من نوم عاشقَين في أحضان بعضهما البعض. وما أجمل من ذلك الاكتفاء الذي ما يلبث أن يتقد من جديد ويطلق عنانه مطالبًا بوصال لا يقلّ عن سابقه شغفًا ولهفة. ويغفوان.
يطلّ يوم جديد من نافذة غرفتها، ليضيف بشمسه السّاطعة بعضًا من الدّفء إلى سريرها، ولينير وجه الحبيب بأشعّة برّاقة، تدعوها لتطبع القبلات على ذلك المحيّا، وتوقع ملكيّة معنويّة على شخصه وكيانه. فيصحو على لمس شفاهها الحنون، وتوقظه أناملها المغناج، تتنقل بين أوتار قيثارة الجسد، فتعزف الحبّ والشهوات على آلة لا حول لها ولا قوة غير الامتثال والاستسلام والتماهي مع عازف، يحترف الإثارة، ويعرف كيف يوقظ حفلًا نائمًا؛ ليحوّله من جماد إلى نابض بالحياة منطلق.
لم تكن تعرف أن هذا النهار يحمل لها الكثير من المفاجآت؛ خاصّة أنها لا ترغب إلّا بأن تكون معه، فيغمرها جسدًا وروحًا، ويخبّئها في أحضانه تستقي من دلاله وهيامه بها. دخلت تستحمّ، فدخل خلفها، لأنه ما عاد يطيق البقاء وحده حين تكون في الجوار؛ فما توقظه فيه من مشاعر لا يقدر على السّيطرة عليها، ولا نفيها ليمضي بسلام. وإذ تصحّيه ونارها تلتهمه، تفقده توازنه وترديه أسير أشواق لا تقاوم. فيجتاحه النهم، ويغدو كالذي اشتهى السّكّر إلى حدّ الإدمان، وما عاد يطيق صبرًا على التلذذ بطعمها بين شفتَيه؛ حتى امتصاص آخر قطرة، فيسير كمن يمشي في نومه إليها، يطالبها بالمزيد وهي تجود عليه. ليس بطعم السّكّر فقط سكّرها، وإنما بذلك العسل برحيق الورد، يسيل في الفم، وينساب انسياب الحرير من شعر امرأة. كيف يسمح لها بأن تختلي بنفسها، وتمسح عنها ليل الذوبان؟ طبع على جسدها بصماته مرّات ومرّات وفي مواضع متعدّدات، واستسلم للماء ينشر رذاذه، ويداعب القامة الممشوقة، وراح يشاركها مفاعيل الطّرب وتقاسيم الإيقاع.
تسبقه في ارتداء ملابسها، وتتوجّه لتحضير ما يتناولانه. يخرج، ليفتح حقيبته التي لم يفرغها بعد... يختار ما يلبسه لمناسبة كالتي يخطّط لها! يتأنق بلباس رسميّ؛ ينشر فوق وجهه وملابسه عطره الفرنسيّ، ثمّ يتغاوى أمامها، ويختال ويرمقها بنظرة؛ تهوي لها كلّ مقاومة. ما يتركها في حيرة من أمرها، وهي التي خطّطت لتمضية اللّيل والنهار معه. "فما باله تأنق كمن يخرج في موعد؟ أمَلَّ من وجوده معها وممارسة الشغف؟ أيُعقل أنه يحتاج لمسافة بينهما؟..." لم تعرف بمَ تفكّر أو تشعر لحظة رأته...
