جويل غسطين

"الأرض الحرام": البحث عن مكان لا هنا ولا هناك

6 دقائق للقراءة


بعد تقديم عمله التركيبي الأدائي "البين" في عدد من المهرجانات الفنية العالمية عام 2025، يعود المخرج والكاتب والفنان علاء ميناوي في عمل جديد بعنوان "الأرض الحرام"، يشاركه فيه الفنان وجدي خالد ويقدّمانه على "مسرح المدينة" في الحمرا، ابتداءً من 18 شباط الجاري. يتكئ هذا العرض الفنيّ على بحثٍ استمر ثلاث سنوات، وينطلق من أسئلة "المستقبلية العربية"، ليواصل مساءلة المكان والهوية والوجود، لكن هذه المرّة من على خشبة المسرح في مواجهة مباشرة مع الجمهور.

العمل يتنقل في مضمونه بين مصر، عُمان، وفلسطين، ليس بوصفها محطات جغرافيّة فحسب، بل كطبقات من الذاكرة والتاريخ والتجربة. الحدود هنا ليست خطوطًا مرسومة على الخرائط، بل حالات نفسية وسياسية واجتماعية تتقاطع داخل الجسد، وتنعكس على الإحساس بالانتماء. ومن هذه الفكرة ينطلق العرض ليبحث في معنى الحدود، وفي قدرة الإنسان على إعادة تعريف مكانه في عالم يتآكل جغرافيًا ورمزيًا.

يقول الفنان الهولندي – اللبناني الفلسطيني علاء ميناوي في حديثه مع "نداء الوطن إن "الأرض الحرام" امتداد لتجهيزه السابق "البين". فالعملان نتاج بحث فنيّ واحد، تخلّلته قراءات وتجارب متراكمة. غير أن التطوّر جاء بشكل طبيعي وتلقائي. فـ "البين" تضمّن تجهيزًا أدائيًّا يحدث بغياب شخصيات قرّرت أن تترك كل شيء لتعيش داخل حائط. أما في "الأرض الحرام"، فيحصل العرض "في مكانٍ ما"، ويتحوّل السؤال المركزي إلى: "ماذا سيحدث إن بقي شخص واحد خارج الحائط؟".


دلالة العنوان

ينطوي عنوان "الأرض الحرام" على حمولة رمزية مكثفة تتجاوز دلالته المباشرة. بالنسبة إلى ميناوي، هو المكان الذي انطلقت منه البذرة الأولى للعمل، حيث تشكّلت منه الكتابة، وتطوّرت السينوغرافيا، وصولًا إلى الحضور الأدائي المشترك مع وجدي خالد على الخشبة. والجمع بين كلمتَي "الأرض" و "الحرام" ليس مجرّد مفارقة لغوية، بل يفتح أفقًا تأويليًّا رحبًا. فهو يستدعي فكرة المكان الممنوع أو المتعذر، ذاك الذي يستحيل الاستقرار فيه لكنه يظلّ قائمًا بإلحاح في الذاكرة والخيال. بمعنى آخر، العنوان يلخص فكرة أساسية وهي البحث عن مساحةٍ بينيّة تتجاوز التصنيفات والجدران.

"الأرض الحرام" عرضٌ فنيّ مسرحيّ متكامل يخاطب الجمهور مباشرة. يشير ميناوي إلى أن هذا الشكل الفنيّ لم يتخذ القرار بشأنه من دون تفكير، بل أخذ وقتًا وبحثًا طويلًا منه. على صعيد البحث، يدرك ميناوي أن ثمّة خيطًا شفافًا يفصل بين عرضٍ للبحث، والعرض الذي يسكنه البحث، أي بين الفكرة حين تُقال نظريًا، وبين التجربة حين تُعاش حسّيًا. بالنسبة إليه، اللغة الفنيّة هي ما يمسك بهذا الخيط ويمنحه توازنه، موضحًا أنه يسعى إلى مخاطبة الجمهور بلغةٍ ذات حبكة تُبقيه يقظًا ومشغولًا، من دون أن تُثقله بفرضياتٍ جاهزة أو مصطلحاتٍ موصدة.


ثقة بدَور الفن

على صعيد آخر، لا يُخفي الفنان الشاب خيبته وفقدانه الثقة بدَور الفن في مواجهة هذا الكمّ من الألم، خاصةً بعد الأحداث الدامية في غزة ولبنان. ويكشف انه فكّر جديًّا في الابتعاد عن هذا المجال. غير أن مَشاهد الأطفال وهم يغنون تحت القصف، والفنانين الذين يرسمون على أنقاض مدنهم، بدّلت نظرته وأعادت إليه إيمانه العميق برسالة الفن. يرى علاء ميناوي أيضًا أن الفن ليس ترفًا يُمارَس في أوقات الرخاء، بل هو فعل حياة ومقاومة في وجه العدم. والفن، برأيه، لا يكتفي بعكس الواقع أو توثيقه، بل يذهب أبعد من ذلك، إذ يطرح الأسئلة الصعبة ويفتح الباب أمام تخيّل مستقبل مختلف، ولو لساعة واحدة. ويختصر فكرته بالقول: "قدرتنا على التخيُّل هي فعل حياة ووجود".


اللقاء مع وجدي خالد

عن التعاون مع الفنان وجدي خالد، يذكر علاء ميناوي أن لقاءهما محطة مفصلية في مسار هذا العمل. إنها المرة الأولى التي يجتمع فيها ميناوي بفنان من داخل فلسطين. يصفه ميناوي بـ "إنسان ومؤدٍ رائع"، ويؤكّد أن شغف خالد والتزامه بالعمل جعلا تحويل الفكرة إلى عرض حيّ وتجربة غنية وممتعة، مشيرًا إلى أن اللقاء بين فلسطينيّ "لم يرَ فلسطين في حياته"، وآخر عاش ونشأ في فلسطين، أضفى على المشروع بُعدًا إنسانيًا عميقًا، وأسهم في بلورة العمل بصيغته النهائية.

الفنان الفلسطيني وجدي خالد يشير من جهته في حديث مع "نداء الوطن" إلى أن حكايته مع علاء ميناوي بدأت من هولندا، حين حضر الأخير أحد عروض الأول، قبل أن تتطوّر العلاقة بينهما عبر التواصل المستمر. وبعد أشهر، وقبل عشرة أيام فقط من مغادرة خالد بلجيكا، تلقى اتصالًا غير متوقع من ميناوي يعرض عليه المشاركة في العمل.

لم تكن المفاجأة فنية فحسب بل لوجستية أيضًا، إذ إن إجراءات حصول فلسطيني على تأشيرة دخول إلى لبنان غالبًا ما تستغرق وقتًا أطول. لكن الأمور سارت على نحو مغاير للتوقعات. ويستعيد خالد تلك اللحظة قائلًا إنه شعر منذ البداية بنداء داخلي قوي يدفعه إلى قبول العرض، فاختار أن يثق بحدسه. اليوم، ينظر إلى القرار بامتنان، مؤكدًا أن "الأرض الحرام" يتجاوز كونه عملًا مسرحيًا، إذ هو تجربة أخذت قطعة منه.


الجهد الجسدي والنفسي

بصفته لاعب سيرك محترفًا، اعتاد وجدي خالد على تدريبات قاسية وجهد بدنيّ عالي المستوى، يشمل حمل الأجساد وأداء حركات معقدة. ومع ذلك، يشير إلى أن عرض "الأرض الحرام" يتطلب منه طاقة تفوق ما يبذله في عروض السيرك. هذا الجهد، وإن كان مضنيًا يراه مستحقًا، إذ مكّنه إعداده البدني من "حمل العمل بوزنه"، في إشارة إلى الثقل الرمزي والجسدي الذي يختزنه العرض على الخشبة.

بالنسبة إلى خالد، لا يقف عنوان "الأرض الحرام" عند حدّه الفني، بل يتداخل مع سيرته الذاتية. قد تكون هذه الأرض فلسطين المحتلة، أرض الأجداد التي هُجّروا منها، وقد تكون الأراضي المحيطة التي تُغلق حدودها وتحاصر شعبه، مانعةً عنه الغذاء والدواء. هكذا يتحول "الحرام" من توصيف لغوي إلى شعور بالمنع والقهر، وإلى وجع يوميّ يعيشه الفلسطينيون. من هنا، يؤمن خالد بأن الجسد على المسرح قادر على قول ما تعجز عنه الكلمات. فعندما تضيق اللغة، يتقدّم الجسد، بما يحمله من ذاكرة، ليصبح التعبير أصدق. وعن موقفه من العمل، يعلن وجدي خالد التزامه الكامل بمرافقته والدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة، انطلاقًا من قناعته بأن "الأرض الحرام" ليس عرضًا عابرًا، بل موقف وتجربة حياة.

إشارة إلى أن عروض "الأرض الحرام" التي تُستهلّ على "مسرح المدينة" في 18 شباط 2026 وتتواصل حتى 22 منه، تُستكمل لاحقًا في النرويج وهولندا، مع خطط لجولة أوسع في عدد من الدول خلال عام 2027.



ملصق العرض