تحتضن جنيف اليوم الجولة الثانية من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، في وقت يواصل فيه النظام الإيراني نهج التعنت والتصعيد غير المجدي، في ظلّ تشاؤم أميركي - إسرائيلي واضح من مصير الدبلوماسية مع "رجال دين شيعة متطرّفين"، حسب تعبير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. يتمسّك النظام الإيراني بشروطه التعجيزية للتوصّل إلى تسوية مع أميركا، خصوصًا عبر رفضه "تصفير التخصيب"، وعدم قبوله حتى الآن إخراج اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية من البلاد، ومعارضته بحث معضلتي الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية. في هذا الوقت، لا تزال طهران تحاول الظهور بموقع القويّ، إذ أطلق "الحرس الثوري" مناورات عسكريّة في مضيق هرمز الاستراتيجي أمس. تؤكّد تكتيكات الملالي أنهم لم يستخلصوا العبر اللازمة والمفيدة من "حرب الـ 12 يومًا"، متوقعين أن تفرز المقاربة عينها نتائج مختلفة هذه المرّة، إلّا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوضح أنه يتوقع إبرام اتفاق خلال الشهر المقبل، وإلّا فسيضطرّ إلى استخدام الحشود العسكرية الضخمة التي حشدها على أبواب الجمهورية الإسلامية.
ادّعى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى جنيف أنه يحمل "أفكارًا حقيقية للتوصّل إلى اتفاق عادل ومتوازن"، حاسمًا أن "الرضوخ للتهديد ليس مطروحًا على الطاولة". وكشفت الخارجية الإيرانية أن طهران "تشارك في مفاوضات جنيف بوفد متكامل يضمّ خبراء سياسيين وقانونيين واقتصاديين وفنيين للتعليق على مختلف جوانب تفاهم ما واتخاذ القرارات في هذا السياق، لكن يبقى علينا أن نرى مدى جديّة الطرف الآخر في دفع العملية الدبلوماسية قدمًا"، زاعمة بأن موقف واشنطن تجاه ملف طهران النووي أصبح أكثر واقعية.
وعقد عراقجي اجتماعًا مطوّلًا في جنيف مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي، الذي أكد أنه أجرى محادثات "فنية معمّقة" مع عراقجي تحضيرًا لمفاوضات اليوم، في حين أوضحت الخارجية الإيرانية أن اللقاء عُقد في مقرّ إقامة عراقجي، وجرى خلاله بحث "بعض الموضوعات الفنيّة المرتبطة بالتعاون بين إيران والوكالة في إطار التزامات الضمانات ووفق قانون البرلمان"، مشيرة إلى أن الوفد الإيرانيّ عرض أيضًا "وجهات النظر الفنيّة لإيران" في شأن المفاوضات النووية. واجتمع عراقجي مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي لبحث التحضيرات لمفاوضات اليوم، حسب الخارجية العُمانية.
في المقابل، أكد روبيو أن "هناك فرصة هنا من أجل التوصّل دبلوماسيًا إلى اتفاق (مع طهران) يتناول الأمور التي نشعر بالقلق حيالها، سنكون منفتحين للغاية على ذلك ومرحّبين به، لكنني لا أريد أن أبالغ في ذلك أيضًا"، موضحًا أن "الأمر سيكون صعبًا، من الصعب للغاية على الجميع إبرام اتفاقات مع إيران، لأننا نتعامل مع رجال دين شيعة متطرّفين يتخذون القرارات بشكل أيديولوجي وليس بشكل جيوسياسي". وأجرى روبيو محادثات هاتفية مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، جرت خلالها مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، حسب الخارجية القطرية.
توازيًا، أجرى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام زيارة إلى إسرائيل، التقى خلالها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر وقائد المعارضة يائير لابيد وغيرهم من المسؤولين. واعتبر غراهام خلال مقابلة مع صحيفة "جيروزاليم بوست" أن النظام الإيراني "يتأرجح على حافة الانهيار"، معتبرًا أنه على أميركا أن تفي بوعودها بمساعدة الشعب الإيراني وإلّا فإنها قد تواجه كارثة "أسوأ من أفغانستان"، كما أنها تخاطر بسقوط "اتفاقات أبراهام" وبازدياد قوّة كلّ من "حماس" و "حزب اللّه" و "الحوثيين" إذا نجا نظام الملالي. وجزم بأنه لا توجد أيّ فجوة بين إسرائيل وأميركا عندما يتعلّق الأمر بالتهديدات الإقليميّة، خصوصًا إيران، مشيرًا إلى أنه "نحن الآن في مرحلة يتعيّن علينا فيها اتخاذ قرارات استراتيجيّة في شأن الدبلوماسية والعمل العسكري خلال الأسابيع المقبلة، وليس الأشهر".
في الأثناء، باشر "الحرس الثوري" مناورات مكثفة تحت اسم "التحكّم الذكي في مضيق هرمز". وذكر التلفزيون الرسمي أن هذه المناورات التي لم يحدّد مدّتها، تهدف إلى تحضير "الحرس" للتهديدات الأمنية والعسكرية المحتملة في مضيق هرمز، وتجري بإشراف قائد "الحرس" اللواء محمد باكبور، فيما أجرت المنظمة المعنيّة بالدفاع المدني في إيران تدريبًا على الدفاع لصدّ هجوم بأسلحة كيماوية في منطقة بارس الاقتصادية الخاصة للطاقة، لتعزيز الجهوزية للتعامل مع وقائع محتملة باستخدام المواد الكيماوية في جنوب إيران.
إلى ذلك، كشفت وكالة "رويترز" أن الهند احتجزت هذا الشهر ثلاث ناقلات نفط مرتبطة بإيران وخاضعة لعقوبات أميركية وكثفت عمليات المراقبة في منطقة الملاحة البحرية التابعة لها للحدّ من التجارة غير المشروعة، بينما نفت الشركة الوطنية الإيرانية للنفط صلتها بناقلات النفط الثلاث.