شربل الترس

اللهجة اللبنانية البيضاء...لزوم ما لا يلزم!

3 دقائق للقراءة

استطاعت قناة mtv أن تسمّر اللبنانيين، ليلة الأحد الماضية، أمام شاشتها لساعات دون ملل لمعرفة من سيفوز بلقب "يلا ندبك"، برنامج أقلّ ما يّقال عنه أنّه نجح بإعادة الإعتبار للفلكلور اللبناني بعدما اعتقدنا لسنين طويلة أن زمن الفلكلور قد انتهى، وأنّنا دخلنا عصرًا لا يحتمل العودة إلى الجذور.

ما تقوم به قناة mtv هو محاولة منها لإعادة ترسيخ الهوية اللبنانية في وجدان الناس، وخصوصًا فئة الشباب، وقد نجحت في ذلك، كما بدا واضحًا من حجم التأثير الذي رافق الموسم الأول من البرنامج.

وكانت القناة قد مهّدت لهذا النجاح بعمل سابق هو "مشوار بالوادي" الذي حقق بدوره نجاحًا واسعًا، وأحدث تأثيرًا ملحوظًا لا بل وصدمة إيجابية في المشهد الإعلامي والثقافي.

عودة التراث اللبناني الأصيل، سواء عبر الدبكة أو من خلال اعادة الاعتبار الى القرى اللبنانية التي تشكل الأساس الاجتماعي والتاريخي للبنان، لا تكتمل إلّا من خلال المحافظة أيضًا على الهوية اللغوية لكل منطقة في لبنان. فاللغة في الأساس ليست مجرد أداة تواصل، بل أكثر من ذلك هي ذاكرتنا الجماعية، وجزء من تراثنا وتاريخنا.

فلو صادف أحدنا شابًا يقيم في بيروت للدراسة، فغالبًا لن يستطيع، من خلال لهجته، أن يتعرّف على المنطقة التي ينتمي إليها، فهو غالبًا ما سيتكلم بلغة لبنانية بيضاء مطعمة بالكثير من الكلمات الأجنبية الفرنسية والإنجليزية.

هذه اللهجة المستحدثة أصبحت لغة شباب اليوم، فمن لا يجيدها يَعتبره أقرانه ”démodé” أو خارجًا عن السياق العام، وهكذا أضحت اللغة، معيارًا للتقدم، بدلًا أن تكون تعبيرًا عن الإنتماء.

هنا يبرز سؤال أعمق: هل فقدان الخصوصية اللغوية هو ثمن الحداثة؟ أم أنّنا أمام موجة أوسع تدفع المجتمعات نحو التشابه القسري؟

ثمّة من يدفع العالم كله إلى جعلنا صورة طبق الأصل عن بعضنا، باللبس والسلوك والمظهر والثقاقة، وأهم مقوّم من مقومات الثقافة والمدخل الأساسي لها هي اللغة، العولمة بدأت تتطاول على كل شئ يعرّف الفرد أنه جزء من مجموعة محددة أي المجتمعات الوطنية والقومية.

العولمة في أساسها هي مصطلح مقياسي (Standard ) يشمل كل مجالات الحياة االقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وإن وجدناها في أساسها ترتكز على المضمون الاقتصادي.

إلا أنّ كل واحد منّا يتميز بهويته الخاصة، عاداته وتقاليده وثقافته وأسلوب حياته ولهجته المميزة. وهذا كله يجعلنا متميزين، لكنها لا تضع حواجز بيننا، ما يجمعنا كبشر أكثر بكثير من اختلاف أسلوب حياتنا وطريقة لبسنا ولهجتنا، قد أختلف مع الآخر في الشكل، لكن هذا لا يعني أنني مختلف عن جوهره، فجوهر الأنسان واحد، وهذا ما يميزنا جميعًا، كلنا لدينا الكرامة الإنسانية.

حقيقتنا التي لا يجب أن نغفل عنها هي أنّ لكل منّا لهجته الخاصة، ومع ذلك كلنا لبنانيون. لهجة أهل البقاع تختلف عن لهجة أهل بيروت، ولهجة البيارتة تختلف عن لهجة أهل طرابلس. ولهجة العكّاريين تختلف كليًا عن لهجة ابناء جبل عامل. ولهجة أهل الشوف مغايرة تمامًا للهجة اهل كسروان. وحتى لهجة أهل البقاع الشمالي، تختلف عن لهجة أبناء البقاع الجنوبي.

هذا الاختلاف الطبيعي في لهجاتنا لا يجب أن يعيق وحدتنا، حتى ولو كان بيننا اختلافات دينية وطائفية، فلا يجب أن نخفيها عبر استحداث لهجة بيضاء لا تعبر عن حقيقة هويتنا، إنما عن هوية مستحدثة، لا تمثلنا في الجوهر.