السردية هي أهم ما في الحروب، فهي ما يبقى في الذاكرة الجمعية ويمتد أثرها ليبقى أكثر من آلة الحرب، فالسردية يبقى أثرها إلى ما بعد السلاح حتى لو كان السلاح قنبلة نووية فها هي هيروشيما عادت لتزهر فيما السردية خلّدت واقعة لن تمحى من ذاكرة البشر الجمعية.
يعي الفكر الصهيوني هذه الحقيقة، فعمل على جبهة حرب المصطلح وأعاد استحضار يوم الغفران في الوجدان الإسرائيلي يوم 7/10/2023 مع أن العيد كان قد انقضى عليه أكثر من 12 عشر يومًا، قد أفادت عملية طوفان الأقصى في عكس نتيجة حرب تشرين لتتحول في ذاكرة العرب من عنوان النصر الوحيد في تاريخ الصراع إلى يوم تصفية القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي إلى الأبد.
بعد 7 تشرين الأول 2023 لم يعد حق العودة مطروحًا على الطاولة، وخرج من الأدبيات اليومية، وزالت أسطورة الفدائي مع صورة السنوار يحطم المسيّرة بعصا، فكانت الأيقونة التي نسجتها آخر إبداعات المحور عنوان النهاية والاندثار، فصورة السنوار لم ترسم في الذاكرة سردية رجل قاتل وسقط، بل نهاية سلسلة طويلة من الفدائيين، ختمت هذه السردية بمشهد الترسانة السورية "تحترق وتغرق" ليل 8 كانون الأول.
في حرب المصطلح والسردية، لا بد من قهر مصطلح أخير، هو حرب رمضان، فالعرب يطلقون على حرب تشرين أو حرب أكتوبر أيضا مصطلح "حرب رمضان"، ولكي يمحى المصطلح من الذاكرة الجمعية يجب أن يحل محله مصطلح مشابه يحمل نفس الاسم لكن بمعنى مضاد، من هنا استطلع أن تبدأ الحرب المقبلة بين إسرائيل وإيران في شهر رمضان.
حرب المصطلح لم تقف عند أفيخاي أدرعي، في مسعاه محاكاة العقل العربي، ولا عند إيدي كوهين وزميله تسفي يحزكيلي في تسطيح الفكرة، أو مع تميم خرماشو الذي نافس نفسه في تل أبيب حيث لم يقترب العلويون الآخرون.
حرب المصطلح والسردية تفوق فيها الإسرائيليون فهم لم يكتبوا التاريخ فقط عندما انتصروا، بل أيضا عندما هُزموا فتفوقت سرديتهم التوراتية المقدسة على سردية الأمم التي قهرتهم وبقيت قصتهم بعد أن اندثرت تلك الحضارات والأمم، فالسردية هي ما يبقى والقصة هي التي تبقى، وهذه القصة هي التي جمعتهم من الشتات.
كانت السردية لتزول لو لم يقصد جوزيفوس أدريانوس، ولو لم يُهدَم الهيكل، ففي الفكر البراغماتي المحافظة على القصة أهم من الحفاظ على الهيكل، واستُبدِلَ الهيكل بالكنيس وتحول الهيكل من مكان تَعبُّد إلى فكرة تَعبُّد وجسّد حلم العودة والوعد الإلهي، بدل من أي يكون استمرارًا حجريًا محصورا، فالمكان يزول أما الفكرة فتبقى.
هذه النمطية اعتمدت في الفكر الشيعي التاريخي فتحولت كربلاء من مجزرة إلى انتصار الفكرة وتجاوزت الطف أبعاد المعركة لتتحول إلى انتصار الدم على السيف. هذا النهج تداركه حسن الصباح بعد أن سقط حصن شاه دز في أصفهان ولم تفد عبقرية أحمد بن عبد الملك بن عطاش في الدفاع عن المدينة بوجه القوة السلجوقية الغاشمة، فبعد سقوط خلافة الاسماعيليين في القاهرة، لم يحافظ الاسماعيليون على دولة مادية وإنما حافظوا على الفكرة في ألموت ومن هناك وبعد سقوط ألموت على يد هولاكو استمرت الدعوى منعزلة عن الصراعات السياسية منصبة على منهجية الفكرة.
أما العلوي فلم يؤسس لسردية، وتكاد سرديته لا تختلف كثيرا عن القصص الشعبي، ومعظم سرديات العلوي كتبها قاتله، فلا يعتلم في ذاكرته أكثر من الوجع دون أن يسعى لتمييز سرديته عن المحيط العام، فلولا سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس لكان تاريخ العلوي مؤسس على سردية الكراكيب والمكتب السياسي، ومحصورة بالمظلومية والاضطهاد فلا تجد في أخبارهم أي ذكر لقوات صافيتا التي تصدت للغزو المصري ودافعت عن دولة السلطنة، ويكاد لا يعرف أي من سكان جبل محسن شخصية عثمان باشا اللبيب العلوي الذي تولى ولاية طرابلس في العام 1831. فلولا جهد الشيخ الدكتور شادي عبده مرعي في استنطاق سجلات المحكمة الشرعية لكان هذا الجزء من تاريخ العلويين على الساحل الشرقي للمتوسط مطمورا تحت غبار النسيان والتجاهل ولاستمرت سردية الكراكيب عن قطافي الليمون والمكتب السياسي عن قدوم العلوي مع العسكر الفرنسي تتسيّد على السردية التاريخية. سردية نقلتها حكايات جدتي عن جدها "علي خليل" مختار التبانة في القرن التاسع عشر دون أن أتبيّن كيف انتقل الوجود العلوي من "بني عمار" إلى "علي خليل" في فراغات خلفتها أصابع القهر والتزييف فانتزعت من التاريخ صفحات عديدة كما انتُزِع قلب الطبيب إبراهيم الجحجاح، وكما اختذلت إنسانية أم أيمن (زرقة سباهية) وأم إبراهيم (حميدة محرز) وتحولن من سيدات أنشأن عائلات مميزة وربين أطباء ومهندسين إلى ناطورتي جثث أبنائهن يحرسن ما تبقى من رفات من عبث أصابع الإسلام السياسي. أما الإسلام السياسي الشيعي يريد اختزال الوجود العلوي في طرابلس وحلب، ويريد أن يستولي على هوية ضاربة في القدم فيحتل السردية كما استولى على سردية المقاومة واحتكر حصرية السلاح رافضا أن يخضع لسلطان القانون وسيادة الدولة في تنظيم سيادة السلاح.
في حرب المصطلح يقف الشيخ نعيم متهمًا الدولة بالتفريط، فيضع نفسه حَكَمًا على عمل الدولة، وينازع في سيادتها بعد أن تعهّد أن يضرم بأجسادنا الخراب فداء لولي الفقيه إذا وقعت حرب رمضان. يعلم الجميع أن حرب رمضان قادمة، وأن الخرائط رُسمت والأدوار أسندت ولم يبق إلا تصفير الساعات. وفي هذا الأتون يخرج قاطعوا الطريق لتعطيل ما بقي من ركام دولة، دولة بدأت تتهاوى مع اتفاق القاهرة وبعده تأميم الـــ IPC التي ما لبثت عبثية الحرب أن دمرت في حرب أبو موسى وأبو عمار الـ Tank Farm الأكبر على الساحل الشرقي للمتوسط. بعد تأميم شركة نفط العراق وتعرض المنشأة للخراب وخروجها عن الخدمة نهائيًا في العام 1992، كنت آمل أن تشملها زيارة دولة الرئيس نواف سلام، فمع الأهمية التي ترجمتها زيارته لحي المهاجرين في جبل محسن وانعكاس ذلك على استجابة خط البلدية الساخن بعد أن كان الخط الساخن باردًا، فإن حرب المصطلحات لن تقف عند حدود الحروف ولا كتب السردية وإنما طبول هذه الحرب تقرع على وتيرة أسواق الطاقة لذلك من الضروري والحتمي إيلاء هذا القطاع أهمية قصوى، فكما تم تأميم شركة نفط العراق في العام 1973 في حكومة دولة الرئيس صائب بيك سلام، أتمنى أن يلحظ عهد ابن شقيقه دولة الرئيس نواف سلام تخصيص هذه الشركة ومنح مشروع BOT لإنشاء حقل حاويات نفط Tank Farm كتلك الموجودة في Rotterdam فتعيد الشواطئ اللبنانية على خريطة النفط العالمية.
إن حل الأزمة الاقتصادية في لبنان لا يكون بفرض مزيد من الضرائب، ولا بالاستدانة ولا زيادة رواتب القطاع العام، وبالتأكيد لا يتم ذلك عبر قطع طريق البالما ولا حرق الدواليب عند المحجر الصحي، إن حل الازمة الاقتصادية يكون بالتجرؤ على الموروث وعلى تحويل لبنان من بيئة طاردة للاستثمار نتيجة البنى المحافظة الهجينة، فالاستثمار العالمي لا يرغب بالعمل في نظام إقتصادي يكون فيه عرضة للتأميم، ولا نظام اقتصادي يمارس الـ Capital Control ولا يمكنه العمل مع نظام قضائي مشكوك بفاعليته ومعروف ببطئه ولا يمكن أن يعمل في نظام يمارس فيه الاعلام الابتزاز الشعبوي، هذه الحقائق لمستها في عملي مع شركات استثمار عملاقة سعت لتأسيس محطة طاقة شمسية في رأس الخيمة لكنها رفضت حتى مناقشة حديث جانبي عن استثمار في قطاع الطاقة في لبنان رغم المغريات المالية والمساحة الهائلة للاستثمار.
حرب رمضان، وحروب النصر الإلهي وحروب الإسناد والممانعة والامتناع، واللاءات الثلاث، والتخبط الإيديولوجي ومحاولة افتراس الهوية وإحكام السيطرة على السردية، كل هذا يأسرنا في حلقة مفرغة من الشلل، فيُضرب المساعد القضائي لمطالبة محقة، يتبعه القطاع العام، يتظاهر العسكري المتقاعد، الدولة تستجيب، لتمول "الزودة" تفرض ضرائب، والضرائب تفرغ الزودة من مضمونها، تتدخل القوى السياسية لكسب تأييد وشعبية، يضرب القطاع العام، ونعود إلى الشلل. حلقة لا يكسرها إلا الخروج من ترف المصطلح إلى واقعية العمل، وتحويل لبنان من الاقتصاد الريعي الوظيفي إلى الإنتاج الفعلي الخلاق، ولا يمكن تأسيس ذلك دون عمل شجاع يتجاوز المفاهيم الحمائية التي كانت سائدة وتحويلها إلى سياسة السوق المفتوح فيتحول لبنان من قفص لأبنائه إلى فضاء إنتاجي رحب.