ليس الأخطر على دولة مأزومة إلا حكومة تعتقد أن الجباية إصلاح، وأن الضرائب سياسة مالية، وأن التوازن المحاسبي بديل عن التوازن الاقتصادي. هذا تحديداً ما تعكسه مقاربة حكومة نواف سلام في قراراتها المالية: إدارة فاشلة للأزمة وتعميقها لا حلّاً لها، تدوير انهيار لا بناء تعافٍ، وترحيل استحقاق لا معالجة اختلال.
المشكلة ليست في زيادة ضريبة هنا أو رسم هناك، بل في العقل المالي الذي يُنتجها. فالإدارة المالية في علم الاقتصاد السياسي ليست جدول أرقام، بل بيان نوايا الدولة تجاه مجتمعها. وعندما تصبح غالبية إيراداتها قائمة على ضرائب استهلاكية شمولية، فهذا يعني أن الدولة قررت تمويل نفسها من الفئات الأضعف بدل إصلاح نفسها من الداخل.
نواف سلام يقول إنّه يموّل تصحيح الأجور. هذا صحيحٌ جزئياً. لكنّه لا يتحدّث عن المصيبة الأخطر: آلية التمويل. فتمويل زيادة الرواتب عبر رفع كلفة البنزين والـTVA، بصرف النظر عن ما سيكون قرار المجلس النيابي، وإن كان مجرّد إقراره في الحكومة يحمل دلالات واضحة، ليس سياسةً اجتماعية، بل إعادة توزيع عكسية للثروة. الدولة تعطي موظفها بيد، وتأخذ منه ومن المجتمع باليد الأخرى. والنتيجة ليست تحسّن القدرة الشرائية، بل تضخّم يبتلع الزيادة قبل أن تصل إلى الجيب.
اقتصادياً، ما يحصل هو نقل صدمة مالية إلى السوق. زيادة المحروقات ترفع كلفة النقل والإنتاج، وزيادة الضريبة الاستهلاكية تُخفّض الطلب، وضريبة الاستيراد المسبقة تخنق السيولة. هذه ثلاثية قاتلة لأي اقتصاد هش: صدمة عرض، انكماش طلب، واختناق تمويل. الجمع بينها في لحظة ركود تضخمي ليس خطأً تقنياً؛ إنّه سوء تقدير استراتيجي.
الأخطر أن هذا النهج يكشف فلسفة حكم لا فلسفة مالية. فحكومة نواف سلام اختارت الطريق الأسهل: تحصيل سريع من الملتزمين بدل مواجهة المتهربين. والتقديرات تشير إلى مليارات مهدورة سنوياً في التهرب الضريبي والجمركي. لكن الدولة لم تذهب إلى حيث المال، بل إلى حيث العجز عن المقاومة، أي إلى المستهلك. هنا يصبح النظام الضريبي أداة طاعة لا أداة عدالة.
هذه ليست صدفة، فالضرائب غير المباشرة هي الخيار المفضل لأي منظومة لا تريد الاشتباك مع أصحاب النفوذ، لأنها تُجبى تلقائياً، بلا تدقيق، بلا مواجهة، وبلا مساءلة. بينما الضرائب التصاعدية الحقيقية تتطلب دولة قوية، إدارة دقيقة، وقضاءً مستقلاً؛ أي تتطلب ما لا تريد السلطة بناءه.
من هذا المنطلق، تبدو التكنوقراطية التي رُوِّج لها مجرّد غلاف لغوي. فالتكنوقراط الحقيقي يعالج الخلل البنيوي، لا يموله. والتكنوقراطية الحقيقية تبدأ بإصلاح الإدارة، لا بزيادة الإيرادات. أمّا حين تُرفع الرسوم فيما مزاريب الهدر باقية، فهذا يعني أنّ القرار سياسي لا مالي.
خذ مثال الصناديق الرديفة كمجلس الجنوب. استمرار تمويلها بسخاء، في وقت تُفرض فيه ضرائب إضافية على المجتمع، ليس خللاً في الحساب بل في الأولويات. فالدولة التي تعجز عن إغلاق أبواب الهدر لا تملك شرعية فتح أبواب الجباية. الشرعية المالية تُبنى على الثقة، والثقة تُبنى على العدالة، والعدالة تبدأ من السلطة بالتوازي مع المواطن.
الأثر الأعمق لهذه السياسات لا يُقاس فقط بالتضخم أو الانكماش، بل بتآكل العقد الاجتماعي. المواطن الذي يدفع ولا يحصل على خدمات لا يشعر بأنه ممول دولة، بل ممول سلطة. وعندما تتحول الضريبة إلى عبء بلا مقابل، تتحول الدولة في الوعي العام من مؤسسة إلى جهاز جباية. هذه اللحظة تحديداً هي بداية التفكك السياسي لأي نظام.
الأخطر أنّ المقاربة الحالية لا تعالج أصل الأزمة اللبنانية: خلل البنية لا نقص الموارد. لبنان ليس بلداً فقيراً، بل دولة فقيرة الإدارة. لديه أصول عامة ضخمة، ومرافق قابلة للربح، وكتلة تهرب ضريبي هائلة، واقتصاد غير رسمي واسع. أي أنّ المشكلة ليست في غياب المال، بل في غياب الإرادة لالتقاطه من مصادره الحقيقية.
ولهذا تبدو السياسات الحالية كمن يعالج نزيفاً داخلياً بمسكنات خارجية. فزيادة الإيرادات عبر الضرائب الاستهلاكية قد تمنح الخزينة أوكسجيناً آنياً، لكنها تخنق الاقتصاد الذي يموّلها. إنّها سياسة قصيرة النفس في اقتصاد يحتاج نفساً طويلاً.
المفارقة أن البدائل التقنية موجودة ومعروفة: رقمنة الجباية، توسيع القاعدة الضريبية، ضبط الرواتب الوهمية، إعادة تسعير أصول الدولة، وملاحقة التهرب المنظم. هذه ليست شعارات إصلاحية بل أدوات مالية مثبتة عالمياً. وقد طُرحت بوضوح في مقاربات إصلاحية داخل البرلمان، أبرزها ما قدّمه النائب فؤاد مخزومي من تصور يرتكز على الحوكمة الرقمية وضبط النزف قبل فرض أي عبء جديد. الفارق بين الطرحين هو الفارق بين من يعالج المرض ومن يموّل أعراضه.
المشكلة إذن ليست في الأرقام، بل في المنطق. منطق السلطة يقوم على أن الاستقرار المالي يتحقق عبر زيادة الإيرادات، بينما المنطق الاقتصادي يقول إن الاستقرار يتحقق عبر زيادة الإنتاج. الفارق بينهما هو الفارق بين دولة جباية ودولة نمو.
إنّنا أمام نهجين لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في سياسة الترقيع الضريبي التي تؤجل الانفجار وتعمّق أسبابه، أو الانتقال إلى حكومة إصلاح بنيوي تعيد بناء المالية العامة على قاعدة الكفاءة والعدالة. الخيار الأول مريح سياسياً وقاتل اقتصادياً. الخيار الثاني صعب سياسياً ومنقذ وطنياً.
التاريخ المالي للدول يثبت قاعدة واحدة: الضرائب لا تنقذ الدول إذا كانت الدولة نفسها هي المشكلة. وعندما تصبح القرارات المالية أدوات لحماية المنظومة بدل إصلاحها، تتحول السياسة المالية من وسيلة إنقاذ إلى آلية إنكار.
إذاً، لا يُقاس نجاح أي حكومة ورئيسها بحجم ما تجبيه، بل بنوعية ما تُصلحه. وفي الحالة التي نعيشها اليوم، الإصلاح الحقيقي يبدأ يوم تتوقف السلطة عن البحث في جيب المواطن، وتبدأ البحث في دفاترها.