تتكرّر في بعض النقاشات الفدراليّة افتراضاتٌ مسبقةٌ حول طبيعة الحركة الفدراليّة في الأوساط المسيحيّة، وفيما تحصر بعض الأصوات هذه الحركة بجانبها التقنيّ، يصرّ الفدراليّون، وفي طليعتهم لبنان الفدراليّ، على محوريّة البعد السّياسيّ في الحركة الفدراليّة بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لها.
الفدراليّة حركةٌ تحرريّةٌ على المستوى الجماعيّ؛ لأنها ستعتق الجماعة المسيحيّة من قيود النظام المركزيّ، ومنظومته الفاسدة والطائفيّة الحاكمة منذ التسعينات (والمتمثلة حاليًّا بالثّنائيّ الشيعيّ). كما إن الفدراليّة حركةٌ ثورويّةٌ على المستوى الأيديولوجيّ؛ لأنها تهدف إلى تقويض النظام المركزيّ الفاشل، وتاليًا لا يمكنها أنْ تتحوّل إلى نقيضها، عنيتُ أنْ تصبح تيّارًا سياسيًّا يلهو في الإطار المسموح بأنْ يلهوَ به.
وعليه تتناقض الفدراليّة مع الشعبويّة العونيّة قيميًّا، ولا أعني بالشعبويّة العونيّة فعل تأليه الأشخاص (في هذه الحالة ميشال عون) وإلحاق صفاتٍ خارقةٍ بهم فحسب، بل تلك النزعة الأنويّة في الوعي المسيحيّ المستعدّة لفعل أيّ شيءٍ، وتبريره، مقابل مركزٍ في الحكم المركزيّ. فقد يكون الفرد أو الناشط السياسيّ معاديًا لعون وتيّاره، ولكنه في نمط تفكيره عونيٌّ. ولا يمكن تجاهل خطورة هذه النزعة في الوعي المسيحيّ، نظرًا لأنها عضويّةٌ، أي تنشأ طبيعيًّا في المجتمع بفعل غياب أي التزامٍ أيديولوجيّ أو أخلاقيّ فيه.
كذلك تتناقض الفدراليّة مع اللّبنانويّة فكريًّا، وتحديدًا ترفض كلّ ما صدر من تنظيرٍ حول الهويّة الفينيقيّة الجامعة، والعرق الفينيقيّ الواحد، والخطاب الأسطوريّ الذي يربط الهويّات الإثنودينيّة بأحداثٍ وحضاراتٍ مندثرةٍ منذ آلاف السّنين. تمثل الفدراليّة قطيعةً مع أكثر من تسعين سنةً من التنظير اللّبنانويّ الفارغ، والخطاب الوثنيّ الزائف، وتفسير الواقع باللّاهوت. إرهاصاتها ليست شارل قرم، ولا سعيد عقل، وحتمًا ليست "نصلاميّة" كمال يوسف الحاج. وحدهُ التجريب هو مدماك الفكر السّياسيّ عند الفدراليّين، وما خلا ذلك فحشوٌ شعريٌّ حصد اللّبنانيّون والمسيحيّون نتائجه البائسة.
ما نطرحه هو تفكيرٌ جديدٌ لشعبنا والعالم، وهذا التفكير الجديد يتصدّى لحجم التحوّلات في المنطقة، وتاليًا يستوجب شروطًا راديكاليّةً التي ما لم تتوفر، وجب تخصيب الأرض لتوفيرها. من هنا التحدّي الأكبر عند الفدراليّين المسيحيّين: نقل الطّهارة الأيديولوجيّة من النظريّة إلى الممارسة؛ فالممارسة كفيلةٌ بتثقيف التنظير لاستخراج توليفةٍ ستجنب شعبنا نزيفه الدّيموغرافيّ والاقتصاديّ وتضمن استمراره الوجوديّ.