تتواتر في الآونة الأخير نقاشاتٌ عن ضرورة "اتّحاد الفدراليّين" في حلفٍ أو جبهةٍ ما، رغبةً بتكوين "كتلةٍ سياسيّةٍ برلمانيّةٍ"، فيما تحيّد هذه النّقاشات ومُطلقوها النّقد الجدّيّ لخيار حلف الأقلّيّات بقيادة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، تحديدًا الخيار العونيّ الوصوليّ بالتّحالف مع الميليشيا الأصوليّة الشّيعيّة وما اقترفته من عنفٍ، وقتلٍ، واغتيالاتٍ بحقّ شعبهم المسيحيّ وشعوب المنطقة الأخرى.
الأسوأ في هذه النّقاشات هو الانجراف العاطفيّ المزدوج: الحنين نحو الماضي المفترض (مرحلة الجبهة اللّبنانيّة التي اعتمدت الخطاب اللّبنانويّ، أو مرحلة الشّعبويّة العونيّة المبكرة)، والحماسة إلى مستقبلٍ متخيّلٍ (تحالفٌ مسيحيٌّ وحدويٌّ)، فيما الواقع الحزبيّ والتّحزّبيّ لا يزال معقّدًا، واختزاله بثنائيّاتٍ بسيطةٍ (ثنائيّة فدراليّة-تقسيم، ثنائيّة فدراليّة-لامركزيّة) هو استسهالٌ للخطاب الذّمّيّ القويّ الذي لا يزال يبايع الشّيعيّة السّياسيّة القابضة أقلّه على الدّولة الأمنيّة العميقة والسّرديّة الرّسميّة اللّبنانيّة التي ترى في القتلة والمخرّبين الطّائفيّين أبطالًا قوميّين يجب تبجيلهم أو احترام عنفهم المقدّس. إذًا كيف يمكننا أنْ نكون تحرّريّين حقًّا بدون التّحرّر من الخيارات التي أثبتت التّجربة فشلها؟
لا ريبَ في أنّ مهمّة الفدراليّين المسيحيّين إشراك المجتمع بأسره في الحركة التّحرّريّة، بوصفها حركة انعتاقٍ جماعيٍّ، غير أنّ فعل الإشراك لا يعني بالضّرورة الوحدة. ثمّة عناصر سياسيّةٌ يستحيل التّوفيق بينها، وإذا أسمينا فعل إشراكها وحدةً، فنحن نهين الوحدة وجميع الآمال المعلّقة عليها، كما نخفق في تحقيق الإشراك الضّروريّ. هكذا نكون قد دخلنا في مرحلة العجز: انشغالٌ في التّوفيق بين النّقائض، وفشلٌ في تحقيق الغاية السّياسيّة.
لذا حين سيُلاحظ أخصام الفدراليّة وأعدؤاها هذا العجز، سيتهافتون لاستغلاله بأبشع الأدوات شعبويّةً منها الخرق بتمييع طرح الفدرالة بألاعيب لغويّةٍ (بدعة اللّامركزيّة السّياسيّة الماليّة التي يُسوّق لها ناجي حايك وما يُسمّى الجناح اليمينيّ في التّيّار، علمًا أنّ ثنائيّة اليمين واليسار غير موجودةٍ في السّياسة اللّبنانيّة التي تحكمها القبليّة الطّائفيّة)، ومنها الهجوم باتّهامات الصهينة والعمالة (أبواق حزب الله الإعلاميّة والقوى الرّجعيّة والذّمّيّة المتحالفة معه). فهل يحتمل شعبنا المزيد من المشاريع الوحدويّة الفاشلة؟ هل تستحقّ العناصر المرتبكة أيديولوجيًّا والمخطئة سياسيًّا التّضحية بالمسار الفدراليّ لاستيعابها؟
بالطّبع لا، وأيّ تسامحٍ معها هو انتحار، ولا أعني انتحار الفكرة الفدراليّة-التّحرّريّة؛ لأنّ الأفكار لا تموت، بل تدوم وتتبدّل. المقصود هو الانتحار الجماعيّ، فالسّياسة هي فنّ الممكن، خارج الممكن ندخل في المغامرة، والمغامرة ترفٌ لا يملك شعبنا ثمنه.