مايا الخوري

رحلة الاندماج الحقيقي تبدأ من الأسرة

التوحّد والمجتمع... هل نحن مستعدون لقبول الاختلاف؟

4 دقائق للقراءة

في 2 نيسان من كلّ عام يتذكّر العالم الأفراد الذين يحملون "طيف توحّد" وهي مناسبة لتعزيز وقبول حقهم في الاندماج الكامل والفعّال في المجتمع. ويبدأ بناء البيئة الداعمة والشاملة من الأسرة امتدادًا إلى المدرسة فسوق العمل، ما يفسح المجال أمام هذه الفئة لإبراز قدراتها ومواهبها.

بيّنت الدراسات أن التوحّد لا يقتصر على حالة واحدة تطبّق على الجميع بالطريقة نفسها لكنها مجموعة متنوّعة من الاختلافات في النموّ العصبي، تظهر بطريقة مختلفة لدى كلّ شخص، انطلاقًا من ذلك تمّ اعتماد تسمية اضطراب "طيف التوحّد".

وهذه النقلة في التسمية برأي كيم عرمان، اختصاصية في علم النفس العيادي، هي لعدم النظر إلى التوحّد كاضطراب واحد جامد بل كطيف يشمل مجموعة واسعة من نقاط القوّة والتحدّيات والاحتياجات المختلفة للدعم، التي تتمايز بين طفل وآخر.

ولا يمكن الحديث عن الأطفال بعامّة من دون الإضاءة على دور العائلة في حياتهم، لذلك فإن متابعة طفل على "طيف التوحّد" وفق عرمان يتطلّب تعاونًا مع العائلة والأخوة والمدرسة. "إن العائلة هي المتواجدة طيلة الوقت للاهتمام به وملاحظة الأعراض التي تظهر باكرًا. فيبدأ التعاون معها على مستوى تقبّل تشخيص الطفل أوّلًا ومن ثمّ يأتي التعاون مع الاختصاصيين والمدرسة لمساعدته على التطوّر".

وتشدّد على أهمية أن ترتكز التربية على التعاطف والصّبر في التعامل مع التحدّيات، إذ يؤدّي الأهل دورًا أساسيًا في فهم احتياجات طفلهم على "طيف التوحّد" ومرافقته ودعمه في التعبير عن مشاعره والتفاعل مع محيطه. مع الإشارة إلى أن ردود الفعل العصبية تختلف وفق الأطفال، فثمّة من يحبّ الاحتواء الجسدي كالعناق، فيما يفضّل آخرون عدم اللمس، لذلك يجب البحث عن الطريقة الأفضل والأمثل لمساعدة كلّ منهم.

من جهة أخرى، من المهمّ جدًا توعية الإخوة حول كيفية التعامل بشكل طبيعي مع الشقيق ذي "طيف التوحّد"، وعدم النظر إليه كمريض أو كحامل إعاقة أو النظر إلى الصعوبات التي تواجهها عائلتهم في الاعتناء به، بل على العكس يجب توضيح الأمور في كنف العائلة والتحدّث عن نقاط قوّته ومساعدته في نقاط ضعفه أسوة بأي فرد آخر، إضافة إلى توعيته حول اضطرابه، ويتطلّب ذلك حوارًا فاعلًا في العائلة الصغيرة والكبيرة.

وتضيف: "عندما نضيء على نقاط القوّة ونحدّد نقاط الضعف في كنف العائلة والمجتمع، نساهم في اكتشاف الطفل نقاط قوّته بنفسه وبالتالي تعزيز ثقته بذاته وقدراته بهدف استخدامها لدعم نقاط ضعفه".

أمّا على صعيد المدرسة، فيبقى الدمج أساسيًا وضروريًا لأنه يمنح الطفل حقه بالتعلّم إلى جانب نظرائه فلا ينعزل، بل على العكس ينمّي قدراته، خصوصًا أن ثمة أطفالًا على "طيف التوحّد" يتميّزون بقدرات ذهنية طبيعية، وبالتالي ما من سبب يحول دون متابعة دراستهم الأكاديمية، إنما يجب أن تتم عملية دمج مراعية لصعوباتهم على الصعيد الاجتماعي أوّلًا.

وإذ تشير عرمان إلى مدارس عدّة اعتمدت الدمج في نظامها، لكن ذلك يحتاج إلى عمل مكثف كي يصبح متاحًا في كلّ المناطق بطريقة مناسبة. وكيف يتحقق بطريقة مناسبة؟ تجيب: "يجب ألّا يطبّق على الصعيد الأكاديمي فحسب، بل اعتبار المدرسة مجتمعًا مصغّرًا ما يتطلّب فريقًا تربويًا ملمًّا بمعلومات دقيقة عن "طيف التوحّد" أولًا، مدركًا نقاط القوّة والضعف عند كلّ تلميذ لديه هذا الاضطراب بهدف متابعته عن كثب، تنفيذ حملة توعية حول الاختلاف الجسدي والذهني بين طفل وآخر منذ الصفوف الأولى، ما يساهم أكثر في عملية الدمج. فكلّما اكتسب الأطفال الصغار مفهوم الاختلاف واطّلعوا عليه أكثر، تقبّلوه مستقبلًا ما قد يسهّل عملية الدمج ويخفف ربّما نسبة التنمّر المحتملة أو عملية عزل الطالب المختلف".

وتؤكد عرمان في الختام أهمية أن تكون العائلة والمدرسة متعاونتين في تعليم الأطفال كيفية بناء علاقات قائمة على الاحترام بغض النظر عن الفروقات والاختلافات. وهذا التقبّل هو الذي سيبني مجتمعًا متوازنًا متصالحًا مع نفسه ومتقبّلًا، "فعندما نعلّم أطفالنا احترام الآخرين بغضّ النظر عن الاختلاف عندها نزرع قيمًا إنسانية تبني مجتمعًا أفضل في المستقبل".