هنيئاً لكم!!
سنوات من المماطلة وشراء الوقت. سنوات من الرهان على أن تتغيّر الظروف الدولية، أن تنشغل الولايات المتحدة بأزماتها الداخلية، أو أن تواجه إسرائيل ضغوطاً سياسية تدفعها إلى التراجع. وكأن البلد يمكن أن يبقى معلّقاً إلى ما لا نهاية.
والنتيجة أمامنا اليوم.
لبنان مرة أخرى في قلب العاصفة. اجتياح إسرائيلي جديد ودمار جديد، بعد سنوات من الرهانات الخاطئة والتأجيل المتعمّد.
لكن المفارقة أن هذا المشهد لم يكن مفاجئاً لأحد. في لبنان لا تأتي الأزمات فجأة. نراها تقترب ونعرف كيف ستُدار قبل أن تبدأ. يتغيّر العنوان، لكن السيناريو يبقى نفسه.
مع كلّ أزمة كبرى يبدأ الكلام نفسه: نحن في ظروف استثنائية، الأولوية الآن للمواجهة. أما الإصلاح فيمكن أن ينتظر. وهكذا تتحوّل الكارثة مرة بعد مرة إلى مخرج سياسي مريح لتلك المنظومة التي تعلّمت منذ زمن كيف تعيش على الأزمات.
ليس هناك عندنا استقرار حقيقي ولا انهيار كامل. فقط أزمة دائمة يمكن إدارتها.
وهنا تظهر المفردات التي يعرفها اللبنانيون جيداً. كلمات تبدو عادية، لكنها قادرة على قتل أي قرار واضح، ألا وهي:
اعتبارات.
مسايرات.
ظروف.
مراعات.
توازنات.
بمجرد أن تُقال، يتوقف كلّ شيء. النصوص الواضحة في الدستور تصبح قابلة للتفسير، والقرارات المؤجَّلة تتحوّل إلى حكمة سياسية، ويصبح التعطيل جزءاً من طريقة الحكم.
وهذا ما كان يحدث دائماً. كلّ أزمة تتحوّل إلى فرصة. كلّ تهجير يتحوّل إلى فاتورة أكبر برسم التحصيل من الدول المانحة، ويجني منها النازح أو المهجّر، "من الجمل أذنه".
الحرب تعيد تشغيل الخطاب نفسه، مبني على الصمود والمواجهة والدفاع عن الأرض، ثم يبدأ الحديث من جديد عن مقاومة وتمويل وتسليح ودعم خارجي. وبعد سنوات، يكتشف اللبنانيون أنهم عادوا إلى النقطة نفسها.
الحقيقة المرّة أننا امتلكنا في لحظة من تاريخنا فرصة لبناء هذه الدولة بأيدينا وضيعناها. كان يمكن أن تقوم دولة طبيعية تحكمها المؤسسات ويحتكم الجميع فيها إلى القانون. لكن الأزمات بالنسبة إلى هذه الطبقة السياسية لم تكن يوماً مشكلة يجب حلّها، بل وسيلة للبقاء في السلطة.
ولهذا السبب تكيّف كلّ شيء مع هذا الواقع. أمراء الحرب السابقون، الزعماء التقليديون، شبكات النفوذ التي نشأت حولهم. حتى الاقتصاد تعلّم كيف يعمل داخل دولة ضعيفة طالما أن موازين القوى لا تتغير.
وفي هذه الأثناء، يستمر النزيف.
بلد لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين في الداخل، فيما ينتشر أكثر من خمسة عشر مليون لبناني في الخارج. الطريق الوحيد المفتوح أمام كثيرين هو طريق المطار أو البحر.
وليس غريباً أن تصبح عبارة "متى مسافر؟" من أكثر الأسئلة تداولاً بين اللبنانيين.
ثم يبدأ اللعب على العاطفة. فيروز في الخلفية وحنين إلى لبنان الجميل. تعالوا زوروا واستثمروا وأنفقوا لتحريك اقتصادهم، لا اقتصادكم… أما الدولة فمؤجَّلة.
حتى التصويت في الاغتراب يصبح مشكلة. كل مرة يُفتح الملف ثم يُعاد الالتفاف عليه بحجج الإجراءات والظروف، لأن مشاركة اللبناني المغترب قد تغيّر قواعد اللعبة التي تحرص هذه المنظومة على إبقائها كما هي.
وفي الداخل المشهد لا يختلف كثيراً. مؤسسات تنتظر، قرارات تؤجَّل، وسلاح خارج الدولة يُترك للوقت ولـ"النيات الحسنة".
وفي النهاية يجد اللبنانيون أنفسهم بين نارين. منظومة لا تريد أن ترحل ولا أن تقدّم الإصلاحات التي طال انتظارها، وعقلية إنكار وعنجهية لدى طرف ما زال يرفض الاعتراف بالواقع. والأسوأ أن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر بطريقة ما ليستمر هذا المشهد.
أي معضلة هذه؟
ربما ليست معضلة أصلاً.
ربما هو النظام كما هو. نظام اعتاد إدارة الأزمات بدل حلّها، والعيش على المساومات بدل بناء دولة.
أما الدولة التي حلم بها اللبنانيون يوماً، فبقيت مؤجلة.
ويبقى اللبنانيون أسرى قاموس سياسي واحد لم يتغير منذ عقود:
اعتبارات.
مسايرات.
ظروف.
مراعات.
توازنات.
كلمات صغيرة، لكنها كانت كافية لتعطيل وطن كامل، وإبقاء اللبنانيين أسرى منظومة لا تعيش فقط على الأزمات، بل تنتظرها لضمان بقائها، فيما تواصل استغلال الموارد العامة... أو ما تبقى منها.