ريتا عازار

كثير من الفكاهة بلا لحوم

أربعون يومًا مع الخضار

7 دقائق للقراءة

في كلّ عام، خلال زمن الصوم الكبير، تحدث ظاهرة لم يفسّرها العِلم بعد تفسيرًا كاملًا، إذ إن أشخاصًا بالغين مكتملي الأهلية يملكون إرادة حرّة وحسابًا مصرفيًا مسجونًا وأحيانًا شواية حديثة أيضًا، يقرّرون فجأة استبدال شريحة لحم البقر بالحمّص. لا يتعلّق الأمر بِندرة في الأسواق ولا بخطأ في التوصيل، بل هو قرار اختياريّ مقصود ومُتبَنى، بل يكاد يكون مبهجًا. ويبرز السؤال حتمًا كما يبرز همسٌ خافت لحبّة فاصولياء بيضاء في مكتبة صامتة: ماذا نصبح حين نكتفي لأربعين يومًا بتناول الخضراوات والفاصولياء والحمّص وتوابعهما؟

في الأسبوع الأول نصبح أكثر حذرًا، نحن الذين كنا آكلي لحوم سابقًا، الواثقين بضربة شوكتنا، نتحرّك الآن بِتروّ في قسم الخضار والفاكهة. نتفحّص الباذنجان كأنه يُجري مقابلة عمل، ونزن الكوسا بِوقار، ونقرأ ملصقات العدس، نعم نفعل ذلك فعلًا. نحن الذين كنا نختار اللحمة على أنواعها بالعين المجرّدة، نكتشف تنوُّع ألوان العدس وأصنافه من عدس أحمر وأخضر وأصفر وأسود، وندخل عالمًا لونيًا لم نكن نتصوّره. وسرعان ما نصبح منظمين، لأن الخضار لا تُرتجل بل تُخطّط، وتُقطّع، وتُراقَب. الجزرة لا تحتمل العشوائية، والقرنبيط يحتاج إلى استراتيجية، أمّا الحمّص فيتطلّب استعدادًا يكاد يكون عسكريًا من نقعٍ وطهوٍ وتتبيل. لا مجال للاستخفاف بالحمّص، فهو صغير مستدير لكنه شديد المتطلبات.


كلوروفيل أخلاقي

عند هذه المرحلة يتغيّر خطابنا، فلا نتحدّث عن وجبة بل عن تركيبة، ولا نقول "أنا جائع" بل "أحتاج إلى ألياف". وتصبح كلمة بروتين مألوفة، لكنها تُسبَق دائمًا بصفة "نباتيّ" تُقال بابتسامة هادئة توحي بِثقة خفيفة.

ثم يأتي الأسبوع الثاني، أسبوع التحوّل الداخلي. فالجسد وقد خفّ من عاداته اللحميّة يبدو وكأنه يتساءل، يحدّق في الأفق بحثًا عن قطعة لحم ضائعة، فلا يجد إلا البازلاء المجففة. فيتكيّف ويغدو أكثر هدوءًا وتأمّلًا، بل إن بعضنا يزعم أننا نشعر بنوع من الكلوروفيل الأخلاقي ينمو داخلنا. نصبح أكثر تأمُّلًا، فطبَقٌ بسيط من الفاصولياء الخضراء كان يومًا مجرّد طبق جانبي، يغدو موضوع حديث. نقول إنها مقرمشة بلهجة ناقد فني أمام لوحة انطباعية. نعيد اكتشاف نبل اللفت، ونتعجّب من التعقيد العطري للزعتر "الزوباع". لم تعد الخضار عنصرًا ثانويًا بل صارت بطلة المشهد.


آثار جانبية وابتكارات

ولا تخلو التجربة من آثار جانبية. فالفاصولياء، تلك الفنانة المتحفظة، تمتلك موهبة صوتية لا حاجة لتفصيلها. يكفي القول إنّ الصوم يعزز قدرًا من الألفة مع الذات ومع النوافذ المفتوحة والروائح العطرية، وليس في ذلك عيب كبير، بل تذكير عمليّ بأننا أحياء.

في الأسبوع الثالث، نصبح مبدعين. فالإنسان المحروم من شريحة لحم، قادر على ابتكارات مدهشة. يتحوّل الحمّص إلى حمّص مهروس وأقراص وكاري ويَخنات وكرات ومعاجين قابلة للدهن. نخلطه ونعصره ونرتقي به، حتى نكاد نحدّثه قائلين: سننجح معًا.

تتخذ موائد الأصدقاء طابعًا تجريبيًا. يُعلَن بفخر أن الغداء اليوم غراتان من جذور الخضار مع كمّون محمّص. لا أحد يدري بدقة ما المقصود، لكن الجميع يومئ باحترام. نتذوّق ونعلّق ونهز الرؤوس في أجواء تشبه مختبرًا للطهي، ويستعيد الفجل كرامته بعد طول سخرية.


راحة البطن والفكر

شيئًا فشيئًا نصبح أكثر ميلًا إلى الأخلاق، برفق ودون تصريح. ننظر إلى آكلي اللحوم بفضول متعاطف لا بازدراء، بل بشيء من الشفقة العلمية. نهمس بأن العدس غذاء متكامل، لا على سبيل التوبيخ بل كدعوة لطيفة وبداية تحوّل.

والمفاجأة أننا نصبح أخف، ليس فقط في الوزن وإن كان البنطال يشهد على بعض الارتياح، بل في الفكر أيضًا. لم تعد الوجبة استعراضًا بل استراحة. نمضغ ببطء ونتذوّق بعمق، ونكتشف أن الشبع قد يكون هادئًا بلا ضجيج ولا استعراض.

من يظن أن الصوم يجلب الكآبة، لم يتعرّف إلى الشمندر. فالشمندر مرح يلوّن كل ما يمرّ به من مائدة وأصابع، ولا يكتفي بأن يؤكل بل يترك أثرًا كذكرى طفولة عنيدة.

وفي هذه المرحلة نتساءل: هل نصبح أرانب؟ الجواب لا. فالأرنب يأكل بلا أسئلة، أما نحن فنناقش الطهو بالبخار ونقارن بين الكينوا والبرغل ونحلّل قوام الحمّص كما لو كان محصولًا فاخرًا.


لحظات ضعف ولكن

الحقيقة أننا نصبح أكثر انتباهًا، ننتبه لما نضعه في أطباقنا، ولشهيَّتنا، وللرضا الغريب الذي يمنحه الامتناع الطوعي. فالصوم ليس عقوبة بل لعبة جادة وتجربة وتحدٍ لعاداتنا. هنالك بالطبع لحظات ضعف، فرائحة المشاوي قد تُحدث رجفة، ورؤية نقانق مشوية في سوق شعبيّ قد تثير حنينًا يشبه أغنية قديمة. نحيد بأنظارنا ونتنفس بعمق ونركّز على حزمة بصل أخضر، فتمضي الرغبة ويبقى البصل.

ثم تنشأ بيننا وبين الحديقة ألفة، نفهم جهد البذرة الصامت ونحترم تعاقب الفصول، ونتوقف عن طلب البندورة اللذيذة الطعم في شباط كما لو كنا نطالب بمعجزة خارج موعدها، فنصبح أكثر صبرًا.

ومع اقتراب اليوم الأربعين يحدث أمر غريب. لا نعدّ الأيام كسجناء ينتظرون الإفراج، بل نعدّ الوصفات الناجحة، ونتحدّث بحنان عن صحن البليلة الذي صالحنا مع العالم وعن كبّة البطاطا، وكبّة اليقطين وحشوتها، وكأنهم أصدقاؤنا منذ زمن بعيد.


حمص فحلي

وهنا، في تلك اللحظة بالذات، عندما نجد أنفسنا، نحن آكلي اللحوم السابقين، نتودّد إلى يقطينة بعاطفة غريبة كما لو أنها كانت صديقًا قديمًا. يبدأ مَن حولَنا بالقلق، يحدّقون بنا وكأننا اكتشفنا سرًا خطيرًا عن عالم النبات. فالصوم النباتي لا يُغيّر الأطباق فقط، بل يبدّل قواعد اللعب في غرفة المعيشة. فمَن كان مِنا يقضي ساعة كاملة في النقاش حول الطريقة المثلى لطهي ضلع اللحم، صار الآن يتحدث بجدية عن "صمود الأرضي الشوكي". وينطق كلمة "البقوليّات" كما ينطق البعض كلمة "فلسفة عميقة". في المطعم، لم نعد نسأل عن قائمة النبيذ، بل عن نوع الحمّص، وإذا اكتشفنا أنه حمّص فحلي، نومئ برؤوسنا بوقار كأن سفيرًا جديدًا قد وصل إلى المدينة.


عُشّاب استراتيجيون

بعضنا تتغير نظرته أيضًا، فيراقب أحواض الزهور وكأنها ناشط بيئي، يتنهّد عند رؤية صندوق نباتيّ مهمَل، ويعامل كلّ باقة بقدونس كرفيقة في الحملة الخضراء. وعند المائدة، نتحوّل كلّنا إلى عُشّاب استراتيجيين. نكتشف الكزبرة المتسلّلة، نتتبّع الزبدة المخفيّة، ونراقب المرق المشبوه. نُشاهَد ونحن نشمّ الحساء بتركيز مفتش الجمارك، وكأننا نحقق في جريمة كبرى. ومع ذلك، تحت هذا الانضباط الخضريّ الصارم، يظلّ الوحش القديم كامنًا. يكفي أن يُشعل الجار منقل الشواء لتتسع حدقاتنا قليلًا، لكننا نستجمع رباطة جأشنا، نلتهم لوزة بوقار، ونعدِّد فضائل الماغنيسيوم، وفي الوقت نفسه فد نخوض مفاوَضة داخلية معقدة للغاية. وهنا يكمن التناقض الجميل، إذ لم يكن الحمّص يومًا مستديرًا وهادئًا بهذا القدر، ولم يكن الإنسان أبدًا بهذا التعقيد أمام طبق بسيط.


حبّة فاصولياء عنيدة

فماذا نصبح حقًا خلال هذا الصوم النباتي؟ نصبح أكثر وعيًا وإبداعًا وتواضعًا. نكتشف أن المتعة لا تُختصر بشريحة لحم سميكة نازفة، بل قد تكمن في طبق ملوّن ومزيج توابل ونعومة هريس العدس. لا نصبح قديسين ولا زاهدين، نظل بشرًا ناقصين. قد نحلم أحيانًا بشريحة لحم متخيّلة، لكننا نتعلّم أنّ تغيير العادات لا يعني فقدان روح الدعابة، وأن بإمكاننا الضحك من حبّة فاصولياء عنيدة، وأن نعيش بل ونزدهر بفضل حمّص أُحسِن إعداده.

وعندما ينتهي الصوم يكون أمامنا خياران: إما العودة إلى اللحم بحماسة مستكشِف عاد إلى الحضارة، أو الاحتفاظ بمكان دائم لتلك الخضراوات التي علّمتنا الصبر والخفة.

فخلال تلك الأيام الأربعين لا نصبح نباتات، بل نصبح بشرًا أكثر تجذرًا وأكثر اخضرارًا في أرواحنا، وأكثر مهارة في وصفات الفاصولياء. وإذا كسبنا فوق ذلك القدرة على السخرية من إفراطنا، فقد حقق الصوم غايته حين حوّل طبق خضار بسيط إلى رحلة داخلية. وليس هذا بالإنجاز القليل بالنسبة إلى حبّة حمّص.