إستال خليل

بعد خامنئي...

فنانو إيران: إبداع ورسائل تحت القمع

6 دقائق للقراءة

في ظلّ التطوّرات السياسيّة الأخيرة في إيران، لا سيّما بعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، يتجدّد الحديث عن واقع الحريات ودور الثقافة. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، يواجه الفنانون الإيرانيون رقابة مشدّدة وقمعًا مستمرًّا، وصلا إلى حدّ القتل. مع ذلك، ظلّ الفن مساحة للتعبير والاحتجاج، حيث يواصل الفنانون الإيرانيون، في الداخل والمنفى، استخدام الإبداع للدفاع عن الحرية ونقل صوت المجتمع.

"أنا فنان إيرانيّ محبّ للحرية، نشأت في بيت كان أشبه بمدرسة للفن"، يقول الموسيقيّ الإيراني حميد رضا طاهرزاده لـ "نداء الوطن". ويتابع: "كان أبي، أحد الوجوه المعروفة في الموسيقى الإيرانية، معلّمي ومرشدي. وقد علّمني أن الموسيقى ليست مجرّد أصوات بل هي لغة الروح وأداة للمقاومة وصوت للحرية. أمّا أمي فكانت بصوتها وقراءتها الشعر تحوّل منزلنا إلى فضاء ثقافيّ حيّ".

وحميد رضا طاهرزاده، موسيقيّ إيراني معروف بعزفه على آلة التار الموسيقى الكلاسيكية الفارسية التقليدية. يتميّز أسلوبه بالارتجال وأداء المقامات الفارسية التقليدية مثل همايون وماهور وأصفهان.

نشأ طاهرزاده بين آلات الموسيقى الإيرانية، مثل التار والستار والكمان والكمنجة، ثمّ أصبح العود رفيقه منذ المراهقة. تعلّم من هذه الآلات أن الموسيقى قادرة على جمع الحزن والفرح، وأن تتحوّل إلى لغة تعبير عن الكرامة والحرية.


دفاعًا عن الإنسان

قدّم الموسيقيّ الإيرانيّ المعارض الذي يعيش خارج بلاده، أكثر من ألف حفل حول العالم دفاعًا عن الحرية وحقوق الإنسان، في مسارح كبرى مثل "رويال ألبرت هول" و "أوبرا باريس" و "الكونغرس الأميركي". يقول إن كلّ حفل كان "فرصة لنقل صوت الشعب الإيراني. كما تشرّفتُ بالعمل مع المغنية مرضية، المعروفة بـ "أم كلثوم إيران" والتي انضمّت إلى "المقاومة الإيرانية" بعد سنوات من الصمت القسري، وكذلك مع الأستاذ محمد رضا شجريان".

كان طاهرزاده فاز في العام 1978 بالمركز الأوّل في "امتحان بارباد للموسيقى، لكنني رفضت الجائزة احتجاجًا على القمع، لأن الفن من دون حرية لا معنى له". وشدّد على أنّ "بعد "الثورة الإسلامية"، ازداد القمع الثقافي، فاضطررت إلى مغادرة إيران، ودرست في الهند ثمّ في إنكلترا وباريس، لكن الموسيقى بقيت جزءًا أساسيًّا من حياتي".

وأشار طاهرزاده إلى أن "فتوى الإمام الخميني بحظر الموسيقى والفن، كانت بداية مرحلة مظلمة للفنانين، حيث أُوقفت الحفلات وحُلَّت الأوركسترات، وتعرّضت الفنانات لقمع مضاعف، إذ حُظر غناء النساء بحجّة أن صوت المرأة يثير الفساد".

ولفت طاهرزاده إلى أن "على مدى العقود الماضية قُتل واعتُقل وعُذب ونُفي عدد كبير من الفنانين"، مضيفًا: "أخي الأكبر منوچهر طاهرزاده، وهو ملحّن ومغنّ وقائد أوركسترا، توفي في السجن بعد اعتقاله بسبب تأليفه أغاني للمعارضة".


نحو الديمقراطية

طاهرزاده اعتبر في حديثه معنا أن مقتل السيّد علي خامنئي قد يُحدث فراغًا وصراعًا على السلطة داخل بُنية النظام الديني، لأنه يمثل العمود الفقري لنظام "ولاية الفقيه". وتابع: "غير أن التطوّرات الحالية قد تُسهم، كما نأمل، في تسريع سقوط هذا النظام، وفتح الطريق أمام انتقال نحو الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة والسلام في المنطقة".

طاهرزاده يدعم قيام دولة جمهورية ديمقراطية علمانية وليس نظامًا ملكيًّا، تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين النساء والرجال، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة، "ولهذا أقف إلى جانب "المقاومة الإيرانية" التي تقودها السيدة مريم رجوي، والتي يجسّدها "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، من خلال خطة النقاط العشر التي تمثل رؤية واضحة لإيران ديمقراطية وحرّة".

ويرى الفنان الإيراني أن "الفن والثقافة ينبغي أن يحتلّا مكانة أساسيّة، لأن الفن يبقى في إيران حافظًا للذاكرة التاريخية وأداةً للمقاومة المدنية، ولأن الفن والحرية جناحان لطائر واحد، وإذا كُسر أحدهما فلن يستطيع الطيران".


الإبداع بِحريّة وأمان

المغني الإيراني محمد سليماني، يستخدم من جهته موسيقاه "لرواية قصص الإيرانيين والدفاع عن الحرية". يعيش سليماني في المملكة المتحدة، "لكن فني مرتبط بالمقاومة الإيرانية، ودعمي خطة السيدة مريم رجوي، وذلك يمنحني الأمل في مستقبل يستطيع فيه الفنانون الإبداع بِحريّة وأمان".

ويضيف سليماني لـ "نداء الوطن": "نحن سعداء برحيل خامنئي، لأنه كان مسؤولًا عن مقتل العديد من الأبرياء، وإسقاط النظام ينبغي أن يأتي من الشعب الإيراني نفسه ومن مقاومته المنظمة داخل البلاد وخارجها. وأنا أواجه تهديدات ليس فقط من النظام الإيراني بل أيضًا من بعض أنصار المَلَكية الداعمين لعودة النظام المَلَكيّ في إيران. فكلّ من لا يعلن دعمه للشاه يتعرّض أيضًا للمضايقة والتهديد. وقبل أسابيع، هاجم بعضهم سيارتي بعد أن تعرّفوا إليّ، واعتدوا حتى على والدتي وصوّروا ذلك".

ومحمد سليماني الذي يُعرف باسمه الفني "SIA30"، إلى كونه مغنيًا إيرانيًّا هو أيضًا ناشط في مجال حقوق الإنسان. يعيش في لندن ويقدّم موسيقى الراب والهيب هوب في أغنيات ذات طابع سياسي، حيث يتناول في أعماله قضايا مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في إيران. يشير في هذا الإطار إلى أن "الرقابة والخطوط الحمراء، تدفع الفنانين إلى استخدام الرمزية والاستعارة والقصص المتعدّدة الطبقات، للتعبير عن الحقيقة من دون تعريض أنفسهم للخطر المباشر. ورغم صعوبة ذلك، فإنه يزيد إصراري على نقل واقع الحياة في إيران وإيصال أصوات من لا يستطيعون الكلام"، يقول سليماني الذي يشير إلى دَور الفن في الاحتجاجات المعارِضة، مؤكّدًا: "كان للفن الدور الأساسي، فالموسيقى والرسومات على الجدران ووسائل التواصل الاجتماعي توثق النضال من أجل الحرية وتُبقي الأمل حيًّا. كما قدّمتُ أعمالًا موسيقية ذات رسائل سياسية واضحة دعمًا للمتظاهرين وحقوق الإنسان، رغم المخاطر التي تشمل التهديد والمضايقة واستهداف عائلتي". ويختم سليماني قائلًا: "الاستمرار في صنع الفن هو في حدّ ذاته شكل من أشكال المقاومة. كلّ أغنية أو عمل فني يتحدّى القمع، يحفظ الحقيقة ويقوّي حركة الحرية. آمل أن يأتي يوم يستطيع فيه الفنانون الإيرانيون الإبداع من دون خوف، لأن حريّة التعبير ينبغي أن تكون حقًّا للجميع".

إذًا، في ظلّ التحوّلات السياسية والعسكرية الأخيرة، تُعتبر شهادات الفنانين الإيرانيين تذكيرًا بأن الفن لم يكن يومًا مجرّد تعبير ثقافي، بل يبقى في أزمنة المنع والقمع مساحة للدفاع عن الحريّة وكرامة الإنسان. وبين الداخل والمنفى، يواصل الفنانون الإيرانيون استخدام الإبداع لنقل صوت المجتمع والتأكيد أن الفن، رغم القيود، يبقى قادرًا على مقاومة الصمت وإبقاء الأمل حيًّا.