العميد المتقاعد جوني خلف

تصرّف يا هيكل... قبل سقوط الهيكل

4 دقائق للقراءة
عندما تعجز الدولة عن تنفيذ قراراتها لا يسقط القانون أولًا… بل تسقط هيبة الجيش

هناك لحظات في تاريخ الدول تصبح فيها القرارات أهم من كل الخطابات، ويصبح الصمت أخطر من أي خطأ. لبنان يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات القاسية. دولة تتآكل سيادتها يومًا بعد يوم، وسلاح يتجاوز مؤسساتها، وحدود مفتوحة على احتمالات الحرب، فيما يشعر اللبنانيون أن دولتهم تتراجع خطوة بعد خطوة أمام واقع يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع.

في مثل هذه اللحظات تتجه الأنظار دائمًا إلى المؤسسة التي بقيت عبر العقود صمام الأمان الأخير، الجيش اللبناني. هذا الجيش الذي لم يكن يومًا مجرد قوة عسكرية، بل كان صورة لبنان عندما تنهار بقية الصور. جيشٌ دفع جنوده دماءهم على الحواجز وفي الجبال وعلى الحدود، ووقف في وجه الإرهاب حين تراجع الجميع، وحمى البلاد في أصعب اللحظات عندما كان الانقسام يضرب كل شيء.

الجيش اللبناني ليس تفصيلًا في تاريخ هذا البلد. هو المؤسسة التي حملت على كتفيها عبء الاستقرار عندما انهارت السياسة، وهو المؤسسة التي بقيت متماسكة عندما تفككت مؤسسات كثيرة. من معارك الداخل ضد الإرهاب، إلى حماية الحدود، إلى تثبيت الأمن في المدن والقرى، كان الجنود دائمًا في الخط الأول يدفعون الثمن من دمهم وعرقهم وتضحياتهم.

ولهذا السبب تحديدًا بقي اللبنانيون ينظرون إلى الجيش كآخر ما تبقى من فكرة الدولة. عندما تضيع الثقة بكل شيء، يبقى الجيش المؤسسة التي يلتف حولها الجميع، ليس فقط لأنها تحمل السلاح، بل لأنها تمثل فكرة الشرعية والقانون.

لكن قوة الجيش لا تكفي وحدها إذا بقي القرار غائبًا. فالجيوش لا تصنع السياسة، لكنها تنفذ قرار الدولة عندما يكون هذا القرار واضحًا. والجيوش مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تحمي الدولة إذا بقيت الدولة نفسها عاجزة عن حسم خياراتها.

المشكلة في لبنان لم تعد فقط في وجود سلاح خارج إطار الدولة. المشكلة الأعمق هي أن اللبنانيين بدأوا يعتادون فكرة أن قرارات الدولة قد تصدر من دون أن تُنفذ. عندما تصبح هذه الفكرة أمرًا طبيعيًا، تبدأ الدولة بفقدان معناها تدريجيًا، لأن السلطة لا تقاس بما يكتب في البيانات بل بما يفرض على الأرض.

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار فجأة. الانهيار يبدأ بالتردد، ثم بالتأجيل، ثم بقبول الأمر الواقع. ومع مرور الوقت يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتتحول الدولة من صاحب قرار إلى مجرد شاهد على ما يجري.

الجيش اللبناني اليوم ليس عاجزًا، ولم يكن يومًا ضعيفًا. هذه المؤسسة أثبتت في أصعب الظروف أنها قادرة على القتال وعلى التضحية وعلى حماية البلاد عندما يُطلب منها ذلك. الجنود الذين وقفوا في الجرود، والذين قاتلوا الإرهاب، والذين سقطوا شهداء على الحواجز وفي المعارك، أثبتوا أن في لبنان جيشاً حقيقياً يعرف معنى الواجب.

لكن المشكلة ليست في الجيش. المشكلة في القرار الذي يجب أن يحدد دور هذا الجيش. فالمؤسسة التي تملك الانضباط والقوة والتاريخ لا ينقصها شيء سوى وضوح الاتجاه. الجندي يستطيع أن يقاتل وأن يضحي، لكنه يحتاج إلى قرار واضح يقول له أين يقف وأين يتحرك.

اللبنانيون لا يريدون حربًا جديدة، ولا يريدون مغامرات قد تدمر ما تبقى من بلدهم. لكنهم يريدون شيئًا بسيطًا وواضحًا. يريدون دولة حقيقية يكون فيها سلاح واحد وسلطة واحدة وقانون واحد، وجيش واحد يحمي الجميع.

وعندما يشعر المواطن أن الجيش موجود وقوي لكنه مقيد بغياب القرار، يبدأ السؤال الكبير بالظهور. هل المشكلة في القدرة أم في الإرادة. وهل المشكلة في المؤسسة أم في القرار الذي يفترض أن يحرر دورها.

لبنان اليوم يقف عند مفترق حقيقي. إما أن تستعيد الدولة قدرتها على فرض قراراتها عبر مؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش، أو أن يتحول التردد إلى مسار دائم يفتح الباب أمام مزيد من التآكل في سلطة الدولة.

التاريخ لا يتذكر كثيرًا من التفاصيل، لكنه يتذكر لحظات الحسم. يتذكر عندما كان الجيش حاضرًا، لكنه كان ينتظر القرار.

ولهذا تبقى الرسالة واضحة ومباشرة: تصرّف يا هيكل... قبل سقوط الهيكل.