عيسى يحيى

هل تدخل سوريا على خط نزع سلاح "حزب الله"؟

4 دقائق للقراءة

لم يكن تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع الداعم للرئيس اللبناني جوزاف عون في مسألة نزع سلاح "حزب اللّه" تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل حمل دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية لتفتح الباب أمام مقاربة إقليمية جديدة لدور سوريا في أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان والمنطقة.

منذ سقوط النظام السوري ووصول الإدارة الجديدة إلى السلطة في دمشق، حاولت القيادة السورية إرسال رسائل تهدئة في اتجاه "حزب اللّه"، مؤكدة أنها لا تسعى إلى فتح صفحة انتقام رغم الدور العسكري الكبير الذي أدّاه "الحزب" إلى جانب النظام السابق خلال الحرب السورية التي امتدّت لأكثر من خمسة عشر عامًا. يومها، بدت تلك الرسائل جزءًا من محاولة سورية تجنب فتح جبهات جديدة في مرحلة إعادة بناء الدولة وإعادة تثبيت مؤسّساتها.

غير أن التطوّرات الإقليمية المتسارعة أعادت خلط الأوراق، فمع دخول "حزب اللّه" على خط المواجهة دعمًا لإيران، عاد "الحزب" إلى واجهة المشهد الأمني في المنطقة، وارتفعت في المقابل وتيرة الضغوط الدولية الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. في هذا التوقيت تحديدًا، جاء تصريح الرئيس الشرع الداعم للرئيس عون في ملف نزع السلاح ليعكس تحوّلًا سياسيًا لافتًا في مقاربة دمشق هذا الملف، فالدعم السوري العلني للرئاسة اللبنانية في هذه القضية يؤكد أنها تنظر لـ "الحزب" كملف أمني معقد ترك آثارًا عميقة داخل الأراضي السورية نفسها.

لهذا السبب، تنظر دمشق الجديدة إلى مسألة ضبط الحدود مع لبنان باعتبارها جزءًا من معركة سيادية لإعادة فرض السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية. كذلك، فإن الذاكرة السورية مثقلة بتجربة الحرب ومشاركة "الحزب" ودوره العسكري، وتأسيسه شبكات عسكرية مرتبطة بنقل السلاح تعمل حتى اليوم، فالشريط الحدودي الممتدّ بين القلمون والبقاع شكّل لسنوات طويلة أحد أهم المسارات اللوجستية لـ "حزب اللّه"، سواء لنقل السلاح أو لتحرك المقاتلين بين لبنان والعمق السوري.

وفي هذا السياق، برزت خلال الأسابيع الأخيرة تحرّكات عسكرية سورية لافتة على طول الحدود الشرقية للبنان، وأشارت مصادر متابعة إلى أن الجيش السوري أعاد نشر وحدات قتالية في مناطق القلمون الغربي والقصير، مع تعزيز نقاط المراقبة وتفعيل منظومات الاستطلاع على المعابر غير الشرعية المقابلة للبلدات البقاعية.

وتشير المصادر إلى أن هذا الانتشار لا يندرج فقط في إطار ضبط عمليات التهريب، بل يعكس حالة جهوزية ميدانية تسمح للقوات السورية بإغلاق خطوط العبور غير الشرعية بسرعة في حال صدور قرار سياسي بذلك. كما أن إدخال وحدات مدرّبة على القتال الجبلي وحماية الحدود يعكس تحوّلًا في طبيعة المهمة من مجرّد مراقبة حدود إلى استعداد لفرض سيطرة أمنية كاملة على هذا الشريط الجغرافي الحساس، وصولًا إلى التدخل المباشر في لبنان إذا ما اقتضت الظروف.

وترى المصادر أن تصريح الرئيس الشرع قد لا يكون مجرّد موقف سياسي داعم للرئيس اللبناني، بل رسالة مبكرة حول استعداد سوريا للعب دور مختلف في المرحلة المقبلة، فمع الضربات الإسرائيلية المتواصلة ضد مواقع "حزب اللّه"، ومع الضغوط الدولية المتزايدة لدفع الدولة اللبنانية إلى حصر السلاح بيدها، قد تتحوّل دمشق إلى الضلع الثالث في معادلة الضغط على "الحزب".

وفي تطوّر ميداني لافت يعكس حساسيّة هذه المرحلة، أفادت وكالة الأنباء السورية بأن عناصر من "حزب اللّه" أطلقوا قذائف باتجاه مواقع للجيش السوري في بلدة سرغايا الحدودية، فيما شوهدت في المقابل تعزيزات لـ "الحزب" تتحرك باتجاه بعض النقاط الحدودية في الجانب اللبناني وفق الوكالة نفسها. وجاء الردّ السوري سريعًا، حيث أكدت دمشق أن الجيش السوري لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف قواته أو أراضيه، وحملت هذه الحادثة دلالات تتجاوز حدود الاشتباك المحدود، إذ تقع سرغايا ضمن الجغرافيا الحساسة للقلمون الغربي، وهي المنطقة التي شكّلت تاريخيًا أحد أبرز الممرّات العسكرية واللوجستية بين لبنان وسوريا خلال سنوات الحرب.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المشهد الإقليمي يتجه نحو معادلة جديدة تضيق تدريجيًا على "الحزب" من أكثر من اتجاه، فإسرائيل تواصل ضرباتها العسكرية ضد بنيته القتالية، والدولة اللبنانية تتعرّض لضغوط متزايدة لحصر السلاح بيدها، فيما قد تتحوّل سوريا تدريجيًا إلى الضلع الثالث في هذه المعادلة عبر إحكام السيطرة على الحدود وقطع المسارات اللوجستية التي شكّلت لعقود العمق الاستراتيجي لـ "حزب اللّه".