نجم الهاشم

بالفيديو - العميد نزار عبد القادر يروي صفحات من أسرار الجيش (1من4): الجيش وفؤاد شهاب وأحداث 1958 وانقلاب 1961... هكذا انتقلنا من المكتب الثاني إلى مديرية المخابرات

8 دقائق للقراءة

بين الجنرال نزار عبد القادر والجيش حكاية عمر. دخل على عهد اللواء فؤاد شهاب وخرج على عهد العماد إميل لحود. عايش كل مراحل القوة والانهيار في المؤسسة العسكرية. خدم في الألوية المقاتلة وفي المخابرات حيث كانت له أدوار لا يزال يلفها بالأسرار. يَعتبر أن الجيش  قادر على صيانة السيادة وتحقيق الاستقرار إذا تأمّن له القرار. أستاذ محاضر وباحث وكاتب وخبير في الشؤون الاستراتيجية. الضابط الذي يرفض التقاعد يروي لـ "نداء السنين" في "نداء الوطن" والـ "أم تي في" تجاربه الكثيرة.

دخلت إلى الجيش عام 1957 أيام اللواء فؤاد شهاب. كيف كان الجيش في ذلك الوقت؟

دخلنا إلى الجيش ونحن معجبون بهذا الجيش على رغم أنه كان لا يزال صغيرًا 4000 - 5000 عسكري. لكنه كان جيشًا منتظمًا. لباس مميز. حياة مميزة. مهنية مميزة. في ذلك الوقت كان فؤاد شهاب كلّما تخرّج ضابط من الكلية الحربية يرسله إلى فرنسا أو بريطانيا أو بلجيكا لمتابعة دورة. كانوا يسألونه لماذا يصرف المال عليهم وكان يقول يجب أن يتعلّم الضابط ثقافة غير عسكرية أيضًا في دول تؤمن بالديمقراطية. لذلك تربّينا على محبّة الوطن والإيمان بالجيش والانضباط الفكري والمادي الكامل ضمن المؤسسة العسكرية. كان كلٌّ منا كلّما يخرج إلى المدينة يتطلّع ليرى ماذا يهدّد الوطن. عشنا على هذه التربية. العسكري يناديه المواطنون "يا وطن". لماذا؟ بقدر ما كان فؤاد شهاب يقول لنا "إنتو الوطن. إذا ضعفتم يضعف الوطن. إذا قويتم يقوى الوطن. إذا متم يموت الوطن". صار العسكري اسمو الوطن.

عندما تخرّجت كان صار رئيسًا للجمهورية. في أحداث 1958 كنت لا تزال في المدرسة الحربية. هل شاركتم في الحرب؟

اشتركنا في بعض العمليات عندما كان الجيش يتضايق كانوا يطلّعونا كتلامذة ضباط إلى الشارع. مرّة حصل هجوم من الجبل عبر تلال سوق الغرب في اتجاه بيروت وتمّ تطويق مراكز الجيش في الليل. طلّعوا المدرسة الحربية وانتشرنا على تلال بسوس في مهمة لصدّ الهجوم وكنا خط دفاع ثانيًا. يوم انتخاب فؤاد شهاب رئيسًا كنا في ساحة البرج وحول البرلمان. كنت منبطحًا وراء رشاش خلف عمود كهرباء موجه نحو مجلس النواب. شاركنا عندما نزلت قوات المارينز في بيروت وانتشرنا في اتجاه الشويفات وكفرشيما. في البداية كانت هناك أوامر بالتصدّي للإنزال الأميركي وبعض الوحدات أتتها الأوامر لتجهيز المدافع على مستديرة المطار لإطلاق النار على أول دبّابة تطلّ. حصل اتصال بين السفارة الأميركية والقوة الأميركية وقائد الجيش فؤاد شهاب وأُلغِيَت الأوامر بالتصدّي.


يُقال إن فؤاد شهاب تجنب إقحام الجيش في أحداث 1958 تخوّفًا من انقسامه. منذ تلك الأيام هناك خوف من زجّ الجيش في عمليات من هذا النوع؟

كلا ليس كذلك. بحسب تفسيري فؤاد شهاب وقتها بنى هذه الوسطية الوطنية التوافقية. عندما بدأت الأحداث وحصلت الأخطاء السياسية الكبرى في عهد كميل شمعون رفض فؤاد شهاب الزجّ بالجيش حتى يكون إلى جانب الدولة ضدّ فئة من اللبنانيين سياسيين أو طوائف. لذلك رفض واعتبر أن الجيش يحافظ على مؤسسات الدولة والحياة العامة وسلامة الناس ولن يكون فريقًا في هذه الحرب. هذا ما كانوا يقرأونه لنا في الحربية على أساس أنه موقف الجيش.


عندما حصل انقلاب "الحزب القومي" سنة 1961 شاركت في التصدّي له؟

طبعًا طبعًا. كل الجيش شارك. كنت في الفوج المدرع الأول بقيتُ مدة مع الدبّابات في الإذاعة اللبنانية ووزارة الدفاع على المتحف دفاعًا عن الدولة. الفوج نشَر ليلة الانقلاب سريّتي دبّابات ضدّ (النقيب) فؤاد عوض والانقلابيين الذين كانوا يطوِّقون وزراة الدفاع. كنا القوة الأساسية التي تصدّت للانقلاب واستعادت الشرعية.


خدمت في الجنوب؟

خدمت كثيرًا في الجنوب خصوصًا في القطاع الشرقي ومرجعيون والعديسة وغرب بنت جبيل وصولًا إلى مزارع شبعا والعرقوب. كانت عندنا تجربة خاصة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وضدّ التمدد الفلسطيني.


كان الجيش قادرًا على حماية الحدود وقتها؟

عشت هذه المرحلة عندما كنت في المخابرات في بداية السبعينات. كلّما كانت تحصل عملية إسرائيلية كان الجيش يتصدّى. للمفاجأة وللذين لا يعرفون كان أنطوان لحد قائد القطاع الشرقي من الضباط الأقوياء في الجيش. ضابط ميداني مقاتل وقد عرفته عن قرب. دخلت دورية إسرائيلية بعد الظهر. كنت هناك في القطاع الشرقي، مرجعيون، أمر أنطوان لحد بالرماية بالهاون وبشكل صائب عليهم وحقق إصابات بينما غيره في القطاع الأوسط قوّصوا لا نعرف إلى أين لأنهم لم يصيبوا الهدف. كان الجيش يتصدّى ولكن إمكانات إسرائيل كانت أكبر من إمكانياته بكثير خصوصًا في العمليات الخاطفة أثناء الليل. كانوا ينزلون بطائرات هليكوبتر وينسفون بيوتًا أو يغتالون. هذه الحالة لم يكن لدى الجيش دواء لها لأن عديده لم يكن كافيًا لينتشر في كل القرى والأحياء. لذلك عندما كنت في المخابرات كان هناك شخصان يُعتبران من الرؤوس النيِّرة في الجيش هما العميدان جول بستاني مدير المخابرات وموسى كنعان (نائب رئيس الأركان) أرسلا بطلبي إلى مكتب البستاني وقالا لي: أنت تعرف الوضع في الجنوب. كيف يمكن أن نحسّنه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية؟ لأنه كانت تحصل مزايدات على الجيش. ريمون إده مثلًا كان يقول: جيبولي رنجر عسكري إسرائيلي. بحثتُ وجدت قانونًا من سنة 1958 سُمِّي قانون الأنصار الذي يعطي الجيش حق تجنيد عناصر لحماية الحدود والنقاط الحيوية. طرحت هذه الفكرة وقلت إنه يمكن تطويع نحو 3000 أو 4000 مواطن من القرى الجنوبية ونسلّمهم بنادق ويصبحون أنصار الجيش. وقلت إنني لا أعرف إذا كانت قيادة الجيش تقبل أن نعطيهم بنادق أم 16 حديثة ليشعروا أنهم قادرون على القيام بمهمة الدفاع. طلبا مني إعداد طلب بذلك. وافقا عليه ووافق قائد الجيش اسكندر غانم وذهبنا إلى الجنوب وبدأنا نشرح لطلاب المدارس في الثانويات وللمخاتير حتى آمنوا بالفكرة وطوّعنا نحو 3000 عنصر وصاروا يحرسون قراهم. طبعًا خفت الإعتداءات بعدها وبقيت قوة الأنصار حتى تدهورت الأوضاع وفلت الأمن وتفكّكت وحدات الجيش في الجنوب.


لماذا نُقِلت من المدرعات إلى المخابرات؟ من اختارك؟ أنت أسّست فرقة المكافحة؟

أنا أسّست فرقة المكافحة. كنت قائد كتيبة مدرعات في مرجعيون. قائد الجيش جان نجيم كان ضابطًا مهمًّا. أحضر ضباطًا مدرِّبين من بلجيكا وفرنسا فتحوا دورة في الحربية للضباط الذين هم برتبتي، نقيب، وكان معنا عصام أبو جمرة والياس خليل وكنا نحضر ثلاثة أيام في الأسبوع. آتي من مركزي عند الحدود وأعود إليه. عندما انتهت الدورة كان تصنيفي الأول. أرسل ورائي العماد جان نجيم وقال لي: أنت عملت دورة مع الفرنسيين والبلجيكيين؟ قلت: نعم سيّدي. قال: بتعرف طلعت الأول؟ قلت: بعد ما طلعت النتيجة. قال: أنت الأول بس أنا مش باعت وراك لأنك الأول. كل دورة فيها أول وآخر. باعت وراك بناء على تقرير كاتبينو عنك. رح قلّك شو كاتبين. هؤلاء أنا اخترتهم من دولهم أحسن ضباط. حتى المقدم جورج سارة الذي لا يعجبه أحد أنت أعجبته. كتبوا عنك "يتمتع هذا الضابط الشاب ببعد نظر يثير العجب عند صاحبه". لذلك بدّي جيبك مدير عمليات. وسألني: بتعرف رتبتك شو؟ قلت: نقيب. قال: وشو رتبة مدير العمليات؟ قلت له: عميد. قال لي: راسك بيحملك؟ قلت: راسي بيحمل كتير. على أساس سأكون مدير عمليات. قال لي: بعد أسبوعين بتكون هون. وإذ برقية مفاجئة تقضي بأن ألتحق بمديرية المخابرات بعد 24 ساعة. لم أستطع تسليم الكتيبة للضابط الذي سيحل محلّي.

تتكلم عن مرحلة 1970-1971 التي شهدت تحوّلًا في مديرية المخابرات وحصلت ملاحقة ومحاكمة لضباط المكتب الثاني. عندما تشكّلت كان صار العميد جول بستاني مديرًا للمخابرات؟ دخلت في المرحلة الانتقالية؟

طبعًا طبعًا.


كيف أثرت عملية المحاكمة على مديرية المخابرات وعملها وكم استطاع جول البستاني أن يملأ الفراغ؟

كان هناك وقتها المكتب الثاني وفيه عدد من الفروع ولكن بشكل غير منظم وواضح ومتماسك. كان هناك ضباط يقومون بمهام أكثر مما هو تنظيم. جول بستاني في عقله العلمي وثقافته الراجحة أراد أن يعمل مديرية المخابرات. انتقلنا من المكتب الثاني إلى مديرية المخابرات ووضعت هيكلية منطقية وناجحة من جملتها فرع المكافحة والتحقيق. اليوم صار فرعين. أسندوا إليّ مهمة تشكيل الفرع. اخترت نحو 30 مغوارًا ونحو 30 سائقًا واشترينا سيارات وركّبنا تلفونات. صار عندنا فورة عمليات وصار لنا وجود أمني محسوس في كل لبنان. عملنا هيبة. ولكن حيثما كنا نذهب كنا نسمع من يقول "ما خلِصْنا من المكتب الثاني؟". الضباط الذين كانوا يحاكَمون كانوا رفاقًا لنا. جول بستاني عندما حصل التحقيق قال إن هؤلاء كانوا يقومون بواجباتهم لماذا هذه الحملة عليهم؟ كانت شهادته ضدّ الجو السياسي القائم. بعدما التجأ أربعة ضباط إلى سوريا سامي الخطيب وسامي الشيخة وجان ناصيف وكمال عبد الملك، في اليوم الذي كنا سنستردّهم فيه طلب مني العميد بستاني أن أُحضرهم من سوريا. طلعت. طلع معي في السيارة سامي الخطيب وسامي الشيخة. وجان ناصيف وعبد الملك طلعا في سيارة ثانية. كنا في دمشق قال لي سامي الخطيب: نزار أنت إنسان خلوق وذكي. نحن شو غلطنا؟ قلت له: لحدّ اليوم ما عرفت شو عملت غلط؟ قال: لا. قلت: إنك ما عملت ما يجب عمله حتى ما تخلّي البلد يفلت. ارتاح. السياسة شيء والعسكر شيء.

 








يتبع الخميس 19 آذار 2026

هكذا كشفنا محاولة تفجير يخت الملكة إليزابيت

مواجهة الموساد في فردان: حقيبة ودماء على الشاطئ

حرب أيار 1973 مع الفلسطينيين: فرنجية ضد الأسد